وسط التزام دولي متزايد بالمعايير البيئية وتقليل الانبعاثات الكربونية، تجد المطارات الفرنسية نفسها في خضم أزمة اقتصادية غير متوقعة. الأزمة ليست نابعة من نقص في الطلب أو مشكلات تشغيلية، بل من قرار حكومي بزيادة حادة في ضريبة الطيران الفرنسية، وهو ما أطلق ناقوس الخطر وبدأ ينعكس مباشرة على حركة الملاحة الجوية في البلاد.
وقد أفادت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية أن هذه الزيادة دفعت بشركات الطيران إلى إلغاء آلاف الرحلات الجوية، في خطوة تهدد بخسارة ما يزيد على 1.3 مليون مسافر خلال العام المقبل، مثيرة مخاوف جدية بشأن تنافسية النقل الجوي الفرنسي على المستوى الأوروبي والدولي.
ضريبة التضامن: الزيادة التي قلبت موازين الطيران
تكمن جذور أزمة الطيران في فرنسا في القرار الذي اتخذته الحكومة الفرنسية في مارس/ آذار الماضي، والقاضي بمضاعفة "ضريبة التضامن على تذاكر الطيران" (TSBA) ثلاث مرات. هذا القرار رفع من تكلفة السفر بشكل ملحوظ، مضيفًا 4.77 يورو إضافية على كل تذكرة للرحلات الداخلية والأوروبية المنطلقة من الأراضي الفرنسية، وصولًا إلى زيادة تصل إلى 120 يورو على التذاكر طويلة المدى في درجة رجال الأعمال.
هذا الارتفاع الضريبي، الذي تم تبريره في إطار الجهود الأوروبية لتعزيز النقل المستدام وتقليل الانبعاثات، أثار رد فعل سريعاً وحاداً بين شركات الطيران. وحذر اتحاد المطارات الفرنسية (UAF) من أن الشركات، وخاصة الناقلات منخفضة التكلفة مثل "ريان إير" و"إيزي جيت"، بدأت بالفعل في سحب استثماراتها وتقليص برامجها للمواسم القادمة.
إلغاء الرحلات الجوية وخسارة 1.3 مليون مسافر
خلال مؤتمرها السنوي في باريس، أكدت UAF أن الزيادة الضريبية دفعت شركات عديدة إلى خفض عدد الرحلات، وإلغاء خطوط كاملة، وإعادة توجيه أساطيلها إلى دول أوروبية ذات تكلفة تشغيل أقل.
وكانت شركة ريان إير فرنسا هي الأكثر حدة في استجابتها؛ إذ أعلنت في يوليو عن خفض 13% من قدرتها التشغيلية داخل فرنسا، وهو ما يعادل خسارة فورية لـ 750 ألف مقعد. الأدهى من ذلك، هو إعلان الشركة انسحابها الكلي من ثلاثة مطارات إقليمية هامة (ستراسبورغ، بيرغراك، وبريف) خلال موسم الشتاء المقبل الممتد من أكتوبر إلى مارس، ما يشكل ضربة قاصمة للمناطق المعنية.
وكشف اتحاد المطارات عن أرقام مثيرة للقلق تضع الحكومة أمام مسؤوليتها. فقد توقع الاتحاد خسارة 630 ألف مسافر خلال موسم الشتاء، و750 ألف مسافر مفقود في موسم الربيع–الصيف المقبل، ليصبح الإجمالي الصادم 1.38 مليون مسافر أقل مهدّدين بالاختفاء من حركة الملاحة الفرنسية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل مطاري باريس الرئيسيين (شارل ديغول وأورلي)، ما يعني أن التأثير قد يكون أوسع بكثير على المطارات الفرنسية الإقليمية.
تنافسية النقل الجوي في خطر ومستقبل الطيران الأوروبي
تأتي هذه الأزمة في وقت لم تتعاف فيه حركة الملاحة الفرنسية بشكل كامل من تداعيات الجائحة. وصرح رئيس UAF، توماس جوين، بأن حركة الركاب في فرنسا خلال عام 2024 ما تزال أقل بـ 4% مقارنة بعام 2019.
الأرقام المقارنة تثير القلق حول تنافسية فرنسا ضمن مستقبل الطيران الأوروبي. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه الطاقة الاستيعابية للرحلات المنطلقة من فرنسا بـ1.5% فقط في عام 2025، شهدت باقي الدول الأوروبية ارتفاعاً بنسبة 4.5%. وصف جوين هذا التفاوت بأنه "تراجع خطير" ناتج عن قرارات سياسية وضريبية جعلت قطاع الطيران الفرنسي أقل تنافسية، وهو ما سيؤثر على الاقتصاد الوطني بالكامل، وخاصة قطاع السياحة والتجارة.
تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام معادلة معقدة فكيف يمكن التوفيق بين التزاماتها البيئية الضرورية والملحة، وبين الحفاظ على حيوية ونمو قطاع الطيران الذي يعد شرياناً حيوياً للاقتصاد؟ هذه التطورات تضع سياسات ضريبة الطيران الفرنسية تحت المجهر وتؤكد أن أي قرار ضريبي غير مدروس قد يكون له تداعيات وخسائر تتجاوز قيمة الإيرادات المتوقعة.







