يشهد قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العصر الحديث بعد أكثر من عام على الحرب التي دمّرت البنية التحتية، وأوقفت عجلة الاقتصاد، ودمرت أسس الحياة المدنية.
وفي تقرير أممي جديد، حذّرت منظمات تابعة للأمم المتحدة من انزلاق سكان غزة نحو مستويات كارثية من الفقر وانهيار شبه كامل للاقتصاد المحلي، في ظل غياب مقومات المعيشة الأساسية، واستمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، وتدهور الأمن الغذائي.
التقرير الأممي يرسم صورة قاتمة عن واقع غزة اليوم، حيث لم يعد الحديث مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل انهيار مجتمعي شامل يمس الدخل، والتعليم، والصحة، والأمن الغذائي، وسوق العمل، ما ينذر بنتائج طويلة المدى قد تستمر لأجيال.
اقتصاد معطّل بالكامل: أرقام صادمة
يشير التقرير إلى أن اقتصاد غزة أصبح غير قادر على العمل بأي شكل فعّال. فمع توقف أكثر من 80% من المنشآت التجارية والصناعية، وتدمير مساحات ضخمة من المناطق الصناعية، فقد القطاع قدرته على توفير الوظائف أو إنتاج السلع أو دعم السوق الداخلية.
أبرز الأرقام الصادمة الواردة في التقرير انكماش اقتصادي يتجاوز 80% مقارنة بالعام السابق وفقدان أكثر من 90% من الأسر مصادر دخلها و ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، مع توقعات أن تتجاوز 97% من السكان و اعتماد 1.9 مليون شخص تقريبًا على المساعدات الإنسانية لتأمين الحد الأدنى من الغذاء.
ويؤكد التقرير أن انهيار الاقتصاد الغزّي لم يحدث بسبب الحرب وحدها، بل بسبب القيود على دخول الوقود، ووقف الحركة التجارية، وتعطّل المعابر، وفقدان آلاف العمال لوظائفهم.
أزمة غذاء تتعمّق: الجوع يطرق أبواب الجميع
بحسب المنظمات الإنسانية، يعيش سكان غزة على حافة مجاعة فعلية، نتيجة تراجع إمدادات الغذاء إلى أدنى مستوياتها. وفي المناطق الشمالية والغربية تحديدًا، يشير التقرير إلى أن 9 من كل 10 أسر لا تحصل على غذاء كافٍ، فيما تعتمد آلاف العائلات على وجبات محدودة مرة واحدة في اليوم.
وتشمل التحديات الغذائية نقص حاد في الخبز بسبب انقطاع الوقود وإغلاق المخابز و غياب الأغذية الطازجة بشكل شبه كامل و ارتفاع أسعار السلع المتوفرة في السوق السوداء بنسبة تتجاوز 500% في بعض الأصناف وانعدام إمكانية التخزين أو الطهي في ظل تدمير البنية التحتية.
ويؤكد التقرير أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة، حيث زادت نسب سوء التغذية الحاد بينهم بشكل خطير، إضافة إلى ارتفاع مؤشرات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالجوع.
سوق العمل: انهيار كامل للوظائف وفرص الدخل
قبل الحرب، كان جزء من الاقتصاد الغزّي يعتمد على العمالة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الأنشطة التجارية والزراعية. أما اليوم، فقد اختفى هذا النشاط تقريبًا.
أكثر من 700 ألف شخص أصبحوا بلا عمل.
توقف القطاعات الإنتاجية (البناء، الصناعة، الزراعة) بالكامل تقريبًا.
تحولت أغلبية القوى العاملة إلى الاعتماد على المساعدات أو النشاط غير الرسمي.
ويرى التقرير أن سوق العمل في غزة دخل مرحلة شلل تام، مع غياب أي قدرة على خلق وظائف جديدة، أو إعادة تشغيل ما دُمّر، في ظل استمرار القيود الأمنية.
تدمير البنية التحتية: مدينة بلا اقتصاد
أحد أهم أسباب الانهيار الاقتصادي هو الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، حيث تضررت شبكات الكهرباء والمياة والطرق الرئيسي والمدارس والجامعا و المصانع والمستودعات وشبكات الاتصالات
ويشير التقرير إلى أن إعادة إعمار غزة ستحتاج إلى سنوات وعشرات المليارات من الدولارات، وأن استعادة الحياة الاقتصادية تستوجب حلولًا عاجلة تتجاوز المساعدات الإنسانية.
تكلفة اجتماعية باهظة: مجتمع على حافة الانهيار
إلى جانب الفقر والجوع، يرصد التقرير الأممي تداعيات اجتماعية خطيرة:
تفكك النسيج الأسري
النزوح الداخلي المتكرر، وفقدان آلاف الأسر منازلها، أدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية غير مسبوقة.
تراجع التعليم
أكثر من 70% من المدارس تضررت، فيما توقفت العملية التعليمية في معظم مناطق القطاع، ما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع.
أزمة صحية خانقة
المستشفيات غير قادرة على التعامل مع الأمراض المزمنة، وتفشي الأمراض الجلدية والمعوية، ونقص الأدوية واللقاحات.
ارتفاع معدلات الاكتئاب والصدمة
أكثر من 80% من الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب.










