4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

باكستان وأفغانستان وجولة أخرى من التوتر... ما هي مخاطر الصراع؟

تجددت الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان من جديد، مما تسبب في مقتل 5 أشخاص على الأقل يوم الجمعة الماضي وسط تصاعد التوترات بين البلدين وفشل عملية محادثات السلام بينهما.

بقلم: أخبار ومتابعات
٩ ديسمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
10 مشاهدة
fa9665c4505fa4e5300d3f509140c6b846

fa9665c4505fa4e5300d3f509140c6b846

تجددت الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان من جديد، مما تسبب في مقتل 5 أشخاص على الأقل يوم الجمعة الماضي وسط تصاعد التوترات بين البلدين وفشل عملية محادثات السلام بينهما.

هذا الأمر الذي أكده حمد الله فطرت، أحد قيادات أفغانستان وأوضح أن القصف الذي شنته باكستان أدى إلى مقتل خمسة أشخاص بينهم عضو في طالبان، فيما اتهمت باكستان حركة طالبان بإطلاق نار غير مبرر  على امتداد منطقة شامان الحدودية، كما تستمر باكستان في حالة تأهب تام وملتزمة بضمان وحدة أراضيها وسلامة مواطنيها.

يذكر أن المحادثات التي انعقدت في السعودية في مطلع الأسبوع الماضي أحدث لقاء في سلسلة اجتماعات استضافتها قطر وتركيا والسعودية بهدف تهدئة التوتر في أعقاب الاشتباكات الحدودية الدامية التي وقعت في أكتوبر، وتقول إسلام اباد إن مسلحين متمركزين في أفغانستان نفذوا هجمات في باكستان في الآونة الأخيرة شملت تفجيرات انتحارية شارك فيها مواطنون أفغان. وتنفي كابول هذه التهمة، مؤكدة أنها لا تتحمل مسؤولية الأمن داخل باكستان.

لم يأتِ الملا يعقوب من أجل مفاوضات طالبان المعتادة مع المسؤولين الأميركيين، كما جرت العادة على مدار سنوات طويلة أقرَّت فيها واشنطن بأنها لن تتمكَّن من استئصال الحركة الأفغانية، وإنما أتى بصفته وزيرا للدفاع في أفغانستان، المنصب الذي تولَّاه قبل حوالي 4 سنوات، رغم أنه لم يبلغ 40 من عمره، بعد خروج واشنطن من البلاد وعودة طالبان إلى السلطة.


الوساطة هذه المرة ليست بين كابل وواشنطن، وإنما بين كابل وإسلام آباد، الجار الجنوبي الذي رعى وصول طالبان ذاتها إلى السلطة في التسعينيات، قبل أن تتعقد علاقته بها بعد التحالف مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب.

توسَّطت قطر وتركيا بين الجاريْن من أجل وقف إطلاق النار بينهما، على خلفية مواجهات اندلعت أكثر من مرة عبر الحدود الأفغانية الباكستانية، آخرها في أكتوبر 2025، إذ شن الجيش الباكستاني ضربات جوية على ما أسماها معاقل لحركات مسلحة ذات صلة بحركة طالبان باكستان في ولايات كابل وننغرهار وخوست وبكتيكا، القريبة من حدود البلدين، مما استدعى ردًّا من أفغانستان التي هاجمت عددا من النقاط الحدودية الباكستانية.


لقد شكَّل خط ديوراند باستمرار نقطة خلاف كبرى بين كابل وإسلام آباد بعد إعلان الأخيرة دولة مستقلة عام 1947، لكن الغزو السوفياتي لأفغانستان في الثمانينيات هيمن على المشهد منذ ذلك الوقت، وقد صعدت على إثره حركات المجاهدين كما عُرِفَت آنذاك وتحالفت مع باكستان، قبل أن تخرج حركة طالبان من عباءتهم بدعم باكستاني أيضا، وتحكم أفغانستان طيلة التسعينيات.

وعلى مدار عقد من الزمان تقريبا، عانت إسلام آباد من عشرات الهجمات الإرهابية من طالبان باكستان، حتى بلغ ضحايا تلك الهجمات والعمليات العسكرية المضادة لها أكثر من 100 ألف بين عامي 2001 و2016، وكان أبرزها استهداف الحركة مدرسة في بيشاور والذي راح ضحيته أكثر من 100 طفل، وخلق مناخا شعبيا غاضبا على الحركة، أتاح للجيش التحرُّك، وهو ما جعل الجيش الباكستاني يدخل حربا عام 2014 احت مسمى عملية "ضرب عضب" (الضربة الواحدة) ولمدة أكثر من عام لمواجهة طالبان باكستان، وكذلك جماعة لشكر إسلام النشطة في إقليم الحدود الشمالية الغربية، الذي بات يُعرف منذ عام 2010 باسم إقليم خيبر بختونخوا.

وأدت العملية إلى اضطرابات اجتماعية ضخمة في الولاية، ونزوح الآلاف وتدمير الكثير من البنى التحتية، لا سيما في منطقة "فاتا"، التي ضُمَّت في الأخير عام 2018 إلى إدارة الإقليم وفقدت نظام الإدارة الذاتية المُطبَّق فيها منذ عام 1901. في دسمبر  2015، أعلنت باكستان نهاية عملية "ضرب عضب"، وأنها أتمَّتها بنجاح كبير وحققت أهدافها كافة، وأفل نجم طالبان باكستان لبعض الوقت، لكنه سرعان ما عاد مع عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابل.

ومن جهتها بنت شَرَعت إسلام آباد في بناء سياج حدودي بطول خط ديوراند ترسيخا لوضعه كحدود رسمية بين البلدين منذ عام 2017، وأنهته في ربيع عام 2021، قبل أشهر قليلة من عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، التي تزامنت مع عودة عمليات طالبان باكستان في خيبر بختونخوا.

وعلى العكس من أنماط عملياتها العنيفة التي استهدفت الجميع دون تفرقة في السابق، من الدولة والجيش والمدنيين على حد سواء، عادت طالبان باكستان بإستراتيجية جديدة تُركّز فيها على الجيش والدولة فقط في باكستان كي لا تخسر التعاطف الشعبي معها. لذا، بين عامي 2021 و2022، كان أكثر من 75% من عملياتها موجها إلى القوات الباكستانية.

في نوفمبر 2022، أعلنت حركة طالبان باكستان نهاية وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة الباكستانية بعد أشهر من المحادثات التي جرت في أفغانستان، ونجحت في التوصل إلى اتفاقات مؤقتة لوقف إطلاق النار برعاية طالبان أفغانستان في صيف 2022، لكن دون القدرة على تمديدها فترات طويلة. ومن ثمَّ عاودت الحركة هجماتها على أهداف عدة داخل باكستان، والتي تجاوزت 87 هجوما متفرقا، مما استجلب حملة عسكرية من الجيش الباكستاني على معاقل الحركة داخل الأراضي الأفغانية.

ولا تزال طالبان باكستان مدعومة من الحكومة الأفغانية الجديدة بحسب تقرير من الأمم المتحدة صدر عام 2024، أشار إلى أن مقاتلي الحركة الباكستانية يتجاوزون 6000 في أفغانستان، وأنهم يستخدمون أسلحة تركتها جيوش حلف الناتو وراءها عند انسحابها، كما يتمركزون في معسكرات حدودية يستهدفها الجيش الباكستاني من حين لآخر، ومن ثمَّ يفتح باب الصدام مع أفغانستان، كما جرى مرات عدة آخرها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

 

وبالرغم من أن طالبان تحاول أن تتمسَّك بجذورها وقواعدها، وتُمسِك في الوقت نفسه بزمام الأمور في كابل بعدما أصبحت تمتلك مظلة شرعية وقومية بفضل دورها في مواجهة الاحتلال الأمريكي، فإنها بعيدة عن أن تكون نُسخة من طالبان الأكثر جِهوية واعتمادا على باكستان، بل أقرب ما تكون إلى النُظم السياسية التي حكمت أفغانستان برغبة في الاستقلال، والتي لطالما أزعجت باكستان ومن قبلها الهند البريطانية، ولطالما أفسحت المجال للقوى الدولية المنافِسة للغرب وحلفائه، بدءا من الاتحاد السوفياتي بعد الثورة البلشفية، مرورا بالهند أثناء الحرب الباردة، ووصولا إلى إيران وروسيا والهند والصين اليوم، على اختلاف توجهاتهم، كما تثبت تحركات طالبان الدبلوماسية الأخيرة.

مخاطر الصراع 

ويبدو جليا، مثلها مثل النظم التي حكمت أفغانستان بعد عام 1947، أن أحد أهداف طالبان الأفغانية وطالبان باكستان على حد سواء، هو خلخلة السلطة المركزية لباكستان في منطقة "فاتا" السابقة كي تستعيد طابعها الذاتي وكونها ملاذا طبيعيا لمقاتلي الحركة، وذلك رغم أن القوانين الخاصة المُطبقة فيها خلال الفترة 1901-2018 لم تكن في صالح البشتون بالضرورة، لكنها ضمنت لهم عدم الانضواء تحت النظام القانوني المركزي. هذا بالإضافة إلى حماية الروابط البشتونية العابرة لخط ديوراند في إقليم خيبر بختونخوا.

جميع تلك الأهداف تتعارض جذريا بطبيعة الحال مع استراتيجية باكستان في المنطقة لحماية وضبط حدودها، وتجعل كابل حليفا طبيعيا للهند قبل أي دولة أخرى، على غرار ما كان عليه الحال أثناء الحرب الباردة، إذ كانت الهند الدولة الآسيوية الوحيدة التي اعترفت بالنظام الشيوعي قبل سقوطه مطلع التسعينيات.

تقاربت العاصمتان بالفعل في السنوات الماضية رغم السمعة السيئة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بسبب سياساته الهندوسية المتطرفة تجاه المسلمين في الهند، والذاكرة السلبية تجاه طالبان في دلهي بسبب علاقتها بالقاعدة التي اختطفت طائرة هندية عام 1999 وهاجمت السفارة الهندية في كابل عام 2008.

وتبادلت كابل وإسلام آباد الاتهامات إلى حد تصريح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بأن الهند تُحرّض طالبان أفغانستان على إسلام آباد، واتهام وزير الدفاع الباكستاني خواجه محمد آصف الحركة بأنها تحارب بالوكالة عن الهند.

لا يُتوقَّع أن تأفُل سريعا أسباب الصدامات الأفغانية الباكستانية المتكررة، إذ إنها وثيقة الصلة بنقطة توتّر جغرافية وتاريخية ضاربة بجذورها في النظام الإقليمي الذي صممه البريطانيون بالأساس، وورثه الأميركيون بالتحالف مع باكستان.

أما احتمالية تجدُّد الصدامات، أو انزلاق البلدين إلى تصعيد أكبر، فمرتبطة بمعادلات الداخل، بين إسلام آباد التي تحاول أن تجني مميزات التحالف مع الصين ومع إدارة ترامب في الوقت ذاته والحفاظ على قبضة الجيش في الداخل، وبين كابل التي تحاول أن تؤسس كيانها المستقل تحت مظلة إسلامية وبشرعية مواجهة الأميركيين الطويلة.

كما أن أولويات النظامين لا تُرجّح عودة المياه إلى مجاريها بسهولة، لا سيما في ظل مشكلة حدودية عالقة منذ أكثر من قرن، إلا إذا حدث تحوُّل داخلي في باكستان حرَّر السياسة فيها من جديد من قبضة الجيش وأعاد الحركات المُعارضة ورموزها مثل عمران خان، الذي كان قد رحَّب بعودة طالبان إلى السلطة عام 2021 ثمَّ تمكّن من التوصُّل إلى آلية معها، أو إذا شهدت أفغانستان تقلّبات جديدة أعادت المعادلات الجهوية والقبلية إلى السطح، وهي المعادلات التي لطالما استفادت منها باكستان وأضعفت السلطة في أفغانستان.


 

الكلمات المفتاحية:#باكستان وأفغانستان

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال