في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع اقتراب نهاية عام 2025 الذي يمثل موعداً زمنياً حاسماً للعديد من الأجندات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، برزت تصريحات المبعوث الأمريكي إلى لبنان، توم بارك، في منتدى الدوحة لتثير عاصفة من الجدل وردود الفعل الغاضبة.

التصريحات التي تمحورت حول رؤية واشنطن لما أسماها "مخططات بلاد الشام وسوريا الكبرى"، وتحديداً فكرة دمج لبنان مع سوريا، أثارت فوراً استنكاراً واسعاً، لا سيما بعد ربطها بـ"الخوف من تغول التنظيمات الإرهابية في لبنان" كذريعة رئيسية لهذه الرؤية.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، أدلى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني البارز، الدكتور غسان مصطفى الشامي، بتصريح ناري ينسف هذه التصورات الأمريكية، واصفاً إياها بأنها "تصورات خيالية واهية ولا تمت للواقع الاجتماعي والسياسي والجغرافي للبلدين المجاورين".
حي رأي الدكتور الشامي لا يكتفي برفض الطرح فحسب، بل يذهب إلى ربطه بأجندة أمريكية أكثر عمقاً وحساسية تتعلق بقضية السلاح في المنطقة، وتحديداً سلاح حزب الله.
تزامن مشبوه: مهلة ديسمبر 2025 وسيناريو "سوريا الكبرى"
إن توقيت تصريحات المبعوث الأمريكي لم يمر مرور الكرام على الدكتور الشامي والمراقبين الإقليميين. ففي تحليله، يرى المحلل السياسي الفلسطيني أن هذه التصريحات، التي وصفها بأنها "من نسج خيالات المبعوث الأمريكي باراك"، تتزامن بشكل لافت مع "المدة الزمنية للخطة الأمريكية لنزع سلاح حزب الله مع نهاية الشهر الجاري ديسمبر 2025"،هذا التزامن يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت إعادة إحياء مصطلح "سوريا الكبرى" في هذا التوقيت هو ورقة ضغط سياسية جديدة، يتم إلقاؤها على الطاولة الإقليمية لتسريع تحقيق هدف نزع السلاح.
الدكتور الشامي، الذي يعد من الأصوات التحليلية البارزة في غزة، يشدد على أن استخدام ذريعة "التنظيمات الإرهابية" في لبنان لتبرير مخطط دمج بهذا الحجم هو سيناريو مفرغ من محتواه، ويغفل التركيبة المعقدة والمتجذرة للمجتمعين اللبناني والسوري، والتباينات السياسية والجغرافية التي تجعل أي محاولة للدمج القسري أمراً مستحيلاً ومقاوماً شعبياً.
صراع الرؤى: الواقع الإقليمي ومخيلة واشنطن الجيوسياسية
كما أن التحليل الذي قدمه الدكتور غسان الشامي لموقع "180 تحقيقات" يستند إلى قراءة متعمقة للواقع الإقليمي الذي يشهد تحولات دراماتيكية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن مخططات جيوسياسية ضخمة، يرى الدكتور الشامي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة.
حيث أن الإشارة إلى "الذكرى السنوية الأولى لتحرير بلاد الشام سوريا من نظام الطاغية الأسد على مدار خمسين عاماً سابقة" (وفقاً للسياق الزمني الذي يفترضه التصريح) تعكس قناعة بأن النظام الإقليمي في المنطقة قد تغير بشكل جذري، وأن أي مقترحات لإعادة رسم الخرائط يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي الجديد الذي نشأ بعد عقود من السيطرة، هذا الواقع، بالنسبة للشامي، يجعل من فكرة الدمج بين دولتين ذات سيادة – مهما كانت التحديات الأمنية المشتركة – أمراً عفا عليه الزمن وغير واقعي.
ما وراء التصريحات
إذا كانت فكرة الدمج فعلاً "خيالية وواهية" كما وصفها الدكتور الشامي، فما هو الهدف الحقيقي من وراء طرحها في هذا التوقيت الحرج؟ المحللون يميلون إلى رؤية أن الخطاب الأمريكي ربما لا يهدف حقاً إلى "التوحيد" بل إلى الضغط والابتزاز السياسي.
وقد تكون هذه التصريحات محاولة لتشتيت الانتباه عن فشل أو تعثر جهود نزع السلاح، أو عن فشل التوصل إلى حلول سياسية مستدامة في كلا البلدين.
كما أن استخدام "فزاعة" التنظيمات الإرهابية يعطي واشنطن مسوغاً للتدخل أو للضغط على الحكومات الإقليمية لقبول حلول لا تروق لها، أو للموافقة على الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تخدم المصالح الأمريكية الاستراتيجية.
ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن قضية حزب الله. فإذا كان الهدف هو إضعاف الحزب، فإن طرح سيناريو يمس السيادة اللبنانية أو يهدد هويتها الوطنية قد يكون أداة ضغط قوية على البيئة السياسية اللبنانية ككل.
تأثيرات الطرح على الواقع اللبناني والسوري
يُجمع المراقبون على أن تصريحات من هذا النوع، حتى لو كانت "خاوية" وغير قابلة للتطبيق، لها تأثير فوري على الساحة السياسية الداخلية في كل من لبنان وسوريا. في لبنان، تعيد إحياء المخاوف التاريخية من أي محاولة للمس بالسيادة الوطنية، وتغذّي الانقسامات الداخلية حول الهوية والارتباطات الإقليمية. أما في سوريا، فإنها تمس العصب الوطني الحساس المتعلق بوحدة الأراضي السورية بعد سنوات الحرب الطويلة.
إن التأكيد القوي الذي قدمه الدكتور غسان مصطفى الشامي على أن الواقع الجغرافي والاجتماعي للبلدين هو الحصن المنيع ضد هذه "الخيالات"، يُعد رسالة واضحة للمبعوث الأمريكي بارك وبقية صناع القرار في واشنطن: المنطقة لم تعد قابلة لإعادة الرسم عبر قرارات تصدر في عواصم بعيدة، بل إن مصيرها محدد بإرادة شعوبها وواقعها المترسخ.










