مثّل الهجوم الأخير الذي شنه تنظيم داعش في تدمر، والذي استهدف دورية مشتركة أميركية-سورية، نقطة تحول مقلقة تستدعي التوقف عندها.
حيث أنه لم يكن هذا الهجوم مجرد عملية إرهابية عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً عن قدرة التنظيم على إعادة التموضع وشن عمليات نوعية ومفاجئة في عمق البادية السورية، وهي منطقة حيوية ومترامية الأطراف تُعد مفتاحاً للسيطرة على الأجزاء الشرقية والوسطى من البلاد.
ما هي تفاصيل الهجوم غير المسبوق والأهمية الاستراتيجية للموقع؟
وأكدت مصادر عسكرية متعددة وقوع هجوم نوعي ومعقد في محيط مدينة تدمر التاريخية، استهدف دورية كانت تضم قوات أميركية وأخرى تابعة لقوات محلية سورية شريكة في مكافحة داعش.
الهجوم النوعي: رسالة تحدي من داعش
ونفذ التنظيم هجومه عبر كمين محكم أو عبوات ناسفة زرعت على طريق الدورية، ما أدى إلى وقوع إصابات وخسائر في صفوف القوات. اللافت في هذا الهجوم ليس فقط الجرأة على استهداف قوة دولية-محلية، بل التوقيت والموقع:
كما ان تدمر والبادية السورية هذه المنطقة هي حلقة الوصل بين شرق سوريا حيث تتواجد القوات الأميركية وشركاؤها وغربها مناطق سيطرة النظام و يأتي الهجوم في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وفي ظل تركيز دولي أقل على عمليات مكافحة الإرهاب الميدانية، ما منح التنظيم فرصة للتحرك.
ويُظهر هذا الهجوم أن تنظيم داعش في سوريا نجح في تطوير تكتيكاته من مجرد خلايا نائمة إلى القدرة على تنفيذ عمليات تستهدف قوى مدربة ومجهزة.
لماذا البادية السورية؟
تُعتبر البادية السورية بمثابة "الرئة" التي يتنفس منها التنظيم حيث تمتد البادية لمئات الكيلومترات المربعة، وتوفر تضاريس وعرة ومناطق صحراوية تسمح بخلايا التنظيم بالتحرك والتخفي وتخزين الأسلحة والعتاد بعيداً عن أعين المراقبة الجوية وتتشارك السيطرة على أجزاء من البادية عدة قوى مختلفة (النظام وحلفاؤه، القوات الكردية المدعومة أميركياً)، مما يخلق ثغرات أمنية يستغلها التنظيم للانتقال والهرب وتستغل خلايا داعش المنطقة لتنفيذ عمليات ابتزاز وجمع أموال من الرعاة والتجار المارين، مما يضمن استدامة عملياتها.
التداعيات الجيوسياسية.. التحدي الأميركي ومستقبل التحالفات
ويشكل استهداف الدورية المشتركة إحراجاً كبيراً للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ويثير أسئلة حول فعالية استراتيجيتها طويلة الأمد في مكافحة داعش في سوريا.
الاستراتيجية الأميركية على المحك
وتعتمد واشنطن على "قوات سوريا الديمقراطية" “قسد” كشريك رئيسي لمكافحة الإرهاب في شرق سوريا. إلا أن الهجوم قرب تدمر (الواقعة خارج مناطق نفوذ قسد) يؤكد حقيقة مزعجة: تهديد داعش عابر للمناطق الجغرافية ولا يقتصر على الشمال الشرقي و يثير الهجوم تساؤلات حول مستوى التنسيق الأمني بين القوات الأميركية والشركاء المحليين في مناطق النظام أو المناطق المتنازع عليها وقد تضطر القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) إلى إعادة تقييم انتشارها وتكتيكاتها في المنطقة، خاصة مع تزايد المخاطر على جنودها.
هشاشة وضع النظام في البادية
وعلى الرغم من الدعم الإيراني والروسي، يواجه النظام السوري صعوبة بالغة في فرض سيطرته الكاملة على البادية. فالهجمات المتكررة لداعش على المواقع العسكرية التابعة للنظام أو حلفائه، تؤكد أن النظام لا يزال يفتقر إلى الموارد البشرية الكافية والمعدات المتقدمة لتأمين هذه المساحات الشاسعة، هذا الضعف الأمني في مناطق سيطرة النظام يعد عاملاً حيوياً في استمرار نشاط داعش في سوريا، ويجعل المنطقة مرتعاً خصباً لإعادة بناء القوة التنظيمية.
أسئلة ما بعد إسقاط النظام السوري.. سيناريوهات الفراغ الأمني
إن أهمية الهجوم لا تكمن في الخسائر المباشرة، بل في إثارته لـ أسئلة ما بعد إسقاط النظام السوري. في حال حدث تغيير سياسي جذري أو انهيار مفاجئ للسلطة المركزية في دمشق، من المحتمل أن تشهد سوريا فراغاً أمنياً خطيراً.
سيناريو الفوضى وتمدد داعش
إذا حدث انهيار مفاجئ في دمشق، فإن السيناريوهات الأكثر قتامة تتوقع فقد يستغل داعش حالة الفوضى لاقتحام السجون التي تضم الآلاف من مقاتليه المعتقلين، مما يضخ دماء جديدة في شرايين التنظيم أو انسحاب أو تفكك وحدات الجيش التابعة للنظام سيترك مساحات شاسعة بدون أي سلطة فاعلة و ستكون البادية السورية والمناطق الوسطى هي أول المناطق التي يعيد فيها داعش إقامة "ولاياته" الجديدة وضمن السيناريوهات ستنخرط القوى الإقليمية (إيران، تركيا، وغيرها) في صراع نفوذ، مما سيشتت الجهود الدولية لـ مكافحة الإرهاب في سوريا.
ضرورة التخطيط الانتقالي لمكافحة الإرهاب
وتؤكد عملية تدمر أن أي خطة لـ إسقاط النظام السوري يجب أن تتضمن بنداً استراتيجياً مُحكماً لـ مكافحة داعش في سوريا خلال المرحلة الانتقالية. يجب أن يشمل ذلك يجب إنشاء قوة أمنية وطنية سورية جديدة تحظى بالدعم الدولي، وتكون قادرة على ملء الفراغ الأمني بسرعة وكفاءة وتأمين سجون داعش ومناطق الاحتجاز يجب أن يكون أولوية قصوى لتجنب عودة المقاتلين إلى الساحة ويجب أن يضمن المجتمع الدولي استمرار الدعم اللوجستي والاستخباري للقوات المحلية الجديدة لمواجهة تهديد داعش في تدمر وبقية المناطق.
تظهر هجمات داعش، خاصة في تدمر، نمطاً تكتيكياً واضحاً: استغلال الانشغال. يختار التنظيم دائماً شن هجماته في توقيتات حرجة عندما تنصب العيون الدولية على صراعات أخرى (كما يحدث حالياً)، ينخفض مستوى الاستطلاع الجوي والتركيز الميداني على داعش في سورياو تستهدف عمليات التنظيم طرق الإمداد والبنية التحتية، مما يزيد من استنزاف القوى التي تحاربه، سواء كانت قوات النظام أو القوات المحلية المدعومة دولياً، ويُعد الهجوم قرب تدمر بمثابة تذكير بأن التنظيم لا يزال يمتلك بنية تحتية للتجنيد والقيادة والسيطرة، وأن تهديد داعش في سوريا لم ينتهِ، بل تحول من احتلال جغرافي إلى حرب عصابات مميتة.
دعوة إلى اليقظة الاستراتيجية
إن الهجوم الأخير لـ داعش في تدمر ليس مجرد خبر عسكري، بل هو جرس إنذار سياسي واستراتيجي. يؤكد هذا الحادث أن ملف مكافحة الإرهاب في سوريا لا يمكن فصله عن المسار السياسي المستقبلي للبلاد وأي حوار أو تخطيط لـ إسقاط النظام السوري أو أي عملية انتقال يجب أن يضع على رأس أولوياته منع عودة التنظيم للظهور والسيطرة على مناطق حيوية كالتي في البادية السورية. إن التقاعس عن ذلك يعني استبدال مأساة بأخرى، وعودة تهديد داعش ليصبح خطراً عالمياً من جديد.










