"الحانوكا" في المسجد الأقصى.. يمثل "عيد الحانوكا" “الأنوار”العبري محطة سنوية تتصاعد فيها حدة التوترات في مدينة القدس المحتلة، حيث لم يعد العيد مجرد مناسبة دينية طقسية، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى "أداة سياسية وميدانية" توظفها جماعات الهيكل المتطرفة لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى المبارك.
توظيف "الحانوكا" في الصراع على السيادة
حيثتستغل الجماعات المتطرفة رمزية "إشعال الشمعدان" لتعزيز الرواية التلمودية داخل باحات المسجد. إن الربط بين العيد والاقتحامات يتجاوز مجرد الزيارة، ليصل إلى محاولة "تطبيع" الطقوس التلمودية العلنية.
استراتيجية "الإحلال الديني"
تعمل جماعات الهيكل (مثل "جماعة أمناء الهيكل" و"طلاب من أجل الهيكل") خلال أيام الحانوكا الثمانية على رفع أعداد المقتحمين حيث يتم الحشد لآلاف المستوطنين لكسر الأرقام القياسية اليومية للاقتحامات.
ومحاولة إدخال الرموز مثل محاولة إدخال "الشمعدان" (المينورا) أو إشعاله عند أبواب المسجد (خاصة باب القطانين وباب السلسلة) والصلوات الجهرية و ممارسة "السجود الملحمي" داخل الباحات تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال.
السلوك العدواني للجماعات المتطرفة
ولم يعد سلوك هذه الجماعات معزولاً، بل أصبح مدعوماً بـ "غطاء سياسي" من داخل الحكومة الإسرائيلية. يتميز سلوكهم في "الحانوكا" بـ الاستفزاز الميداني حيث تعمد أداء رقصات صاخبة وغناء طقسي عند مداخل المسجد لإثارة مشاعر المصلين الفلسطينيين و التحريض عبر السوشيال ميديا إطلاق حملات إعلانية ممولة تدعو إلى "تطهير الجبل" (المسجد الأقصى) من الوجود الإسلامي وبناء "الهيكل الثالث".
الغطاء السياسي والعسكري للاقتحامات
ما يميز اقتحامات "الحانوكا" في الأعوام الأخيرة هو الانتقال من الحماية الأمنية للمقتحمين إلى المشاركة الرسمية.
سياسة "الضوء الأخضر"
و تقوم قوات الاحتلال بتفريغ المسجد الأقصى من المرابطين والمصلين الشبان وتفرض قيوداً عمرية مشددة لتأمين مسارات المستوطنين ومشاركة المسؤولين و حضور وزراء وأعضاء كنيست (مثل بن غفير وسيموتريتش) في مسيرات "الحانوكا" المتجهة نحو حائط البراق والأبواب المؤدية للأقصى يمنح هذه الجماعات شرعية "دولتية".
التداعيات: نحو "التقسيم الزماني والمكاني"
إن الهدف الاستراتيجي من تكثيف الاقتحامات خلال الأعياد، وخصوصاً "الحانوكا"، هو ترسيخ مفهوم التقسيم الزماني. فمن خلال تخصيص ساعات الصباح وفترات الأعياد للمقتحمين ومنع الفلسطينيين، تسعى إسرائيل إلى جعل مشهد المستوطنين وهم يؤدون طقوسهم داخل الأقصى أمراً معتاداً دولياً ومحلياً والتركيز على المنطقة الشرقية للمسجد (قرب مصلى باب الرحمة) لتحويلها مستقبلاً إلى كنيس يهودي.
العيد كأداة حسم
إن "الحانوكا" في الفكر المتطرف الصهيوني لم يعد مناسبة لتذكر "المكابيين" بل هو "معركة سيادة". سلوك الجماعات المتطرفة المدعوم حكومياً يعكس رغبة حقيقية في تحويل الصراع من صراع سياسي على الأرض إلى صراع ديني محتدم، مما يجعل من كل شمعدان يُشعل عند أبواب الأقصى عود ثقاب يهدد بانفجار الأوضاع في كامل المنطقة.
يرتبط "عيد الحانوكا" تاريخياً لدى اليهود بذكرى ما يسمى "تطهير الهيكل" وإعادة تدشينه، وهي الرواية التي وظفتها الصهيونية الدينية المعاصرة كمرتكز أيديولوجي للصراع على هوية المسجد الأقصى.
فمنذ احتلال القدس عام 1967، خضع المسجد لما يُعرف بـ "الوضع التاريخي والقائم" (Status Quo)، الذي يمنح الأوقاف الإسلامية السيادة الكاملة ولغير المسلمين حق الزيارة فقط دون الصلاة إلا أن العقد الأخير شهد تحولاً جذرياً؛ حيث انتقلت جماعات الهيكل من "زيارة الباحات" إلى استراتيجية "التأسيس المعنوي للهيكل" عبر ممارسة الطقوس التلمودية العلنية.
ومع وصول أقطاب اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إسرائيل وتوليهم حقائب أمنية حساسة، لم يعد "الحانوكا" مجرد مناسبة لإشعال الشمعدانات في الساحات العامة، بل استحال منصة لاختبار القدرة على فرض "التقسيم الزماني والمكاني".
يتم ذلك من خلال استغلال الأيام الثمانية للعيد لفرض إغلاقات جزئية أمام المصلين وتأمين "مسارات توراتية" داخل الأقصى، إن هذا التحول يعكس انتقالاً خطيراً من السيطرة العسكرية والأمنية إلى محاولة فرض "سيادة دينية" كاملة، تهدف بالأساس إلى محو الطابع الإسلامي للمسجد وإحلال واقع يهودي جديد يبدأ بالرموز وينتهي بالبناء المادي، مما يجعل القدس في كل "حانوكا" على فوهة بركان ديني يهدد الاستقرار الإقليمي بربط الصراع بالثوابت العقائدية التي لا تقبل المساومة.
ويعد "الحانوكا" ركيزة في استراتيجية "الإحلال الديني" الإسرائيلية؛ حيث توظف جماعات الهيكل روايته التاريخية لشرعنة اقتحام المسجد الأقصى ومع دعم الحكومة الحالية، تحولت الطقوس من عبادة دينية إلى "أداة حسم" سياسي تهدف لفرض التقسيم الزماني والمكاني، وتغيير هوية المسجد من مقدّس إسلامي خالص إلى واقع مشترك تمهيداً لتهويده بالكامل.










