أبعاد زيارة ماكرون للإمارات.. هل تعيد رسم خارطة التوازنات العسكرية بين أبوظبي والرياض؟
تتجه الأنظار نحو العاصمة الإماراتية أبوظبي، التي استقبلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة رسمية تحمل في طياتها ملفات تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي.
وبين صفقات السلاح المليارية والشراكات الاستراتيجية في مجال الطاقة والتكنولوجيا، تبرز فرنسا كلاعب أوروبي محوري يسعى لملء الفراغات التي خلفها الانكفاء الأمريكي النسبي، محولةً علاقتها مع الإمارات إلى "شراكة نموذجية" تثير تساؤلات حادة في الرياض حول مستقبل التوازن العسكري في شبه الجزيرة العربية.
باريس والخليج.. الرهان على "الاستثناء الإماراتي"
تاريخياً، حافظت فرنسا على علاقات متوازنة مع دول الخليج، لكن العقد الأخير شهد ميلاً واضحاً نحو تعميق الروابط مع دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل استثنائي. تعود جذور هذه العلاقة إلى تأسيس القاعدة العسكرية الفرنسية في أبوظبي (معسكر السلام) عام 2009، وهي القاعدة التي منحت باريس موطئ قدم دائم في المياه الدافئة للخليج العربي والمحيط الهندي.
منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، تحولت العلاقة من مجرد تعاون عسكري إلى "تحالف استراتيجي شامل"، حيث يرى ماكرون في الإمارات شريكاً موثوقاً يشاركه الرؤية في ملفات مكافحة الإرهاب، الاستقرار في ليبيا، ومواجهة النفوذ المتصاعد لبعض القوى الإقليمية. وفي المقابل، تجد الإمارات في فرنسا مزوداً تكنولوجياً وعسكرياً لا يضع شروطاً سياسية معقدة كما تفعل واشنطن في بعض الأحيان.
هذا "الزواج الاستراتيجي" حقق ذروته بصفقة طائرات "رافال" التاريخية (80 طائرة)، والتي اعتبرت أكبر طلبية خارجية لهذه الطائرات في تاريخ الصناعة العسكرية الفرنسية.
أبعاد زيارة ماكرون للإمارات.. هل تعيد رسم خارطة التوازنات العسكرية بين أبوظبي والرياض؟
ومع ذلك، فإن هذا التقارب الفرنسي-الإماراتي لا يحدث في معزل عن الجار السعودي؛ فالمملكة العربية السعودية، تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان، تراقب بدقة هذا التمدد الفرنسي في أبوظبي، وتسعى بدورها إلى تنويع مصادر سلاحها وبناء صناعة عسكرية محلية، مما يخلق حالة من "المنافسة الاستراتيجية" بين الحليفين اللدودين (الإمارات والسعودية) للفوز بالدعم الفرنسي التكنولوجي والأمني.
الأبعاد العسكرية.. "الرافال" وما وراءها
تمثل الزيارة الحالية للرئيس ماكرون منصة لتعزيز التفوق العسكري الإماراتي من خلال محورين أساسيين:
تعزيز السيادة الجوية والذكاء الاصطناعي العسكري
لم تعد الشراكة العسكرية تقتصر على بيع المقاتلات، بل انتقلت إلى مرحلة "نقل التكنولوجيا". تبحث الإمارات مع باريس تطوير أنظمة الدفاع الجوي وصناعة الطائرات المسيرة (Drones) التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. هذا التحول يجعل من الإمارات مركزاً إقليمياً للصناعات الدفاعية، وهو ما يطمح إليه برنامج "إيدج" الإماراتي.
أمن الممرات المائية والقواعد البحرية
تعد فرنسا الشريك الأوروبي الأبرز في تأمين ممرات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. زيارة ماكرون تعيد التأكيد على الدور الفرنسي في حماية السفن التجارية، وهو ملف حيوي للإمارات التي تعتمد بشكل كلي على أمن الموانئ واللوجستيات.
المنافسة مع السعودية.. سباق التسلح والتموضع الاستراتيجي
بينما تتعمق العلاقة الفرنسية الإيرانية، تبرز السعودية كطرف يحاول موازنة الكفة. وهناك عدة نقاط اشتباك وتنافس حيث تسعى السعودية للحصول على استثمارات فرنسية في قطاع الصناعات العسكرية داخل المملكة (رؤية 2030)، بينما تفضل فرنسا أحياناً نموذج "القاعدة الثابتة" والشراكة الجاهزة في الإمارات و تتقاطع الرؤى الفرنسية والسعودية أحياناً وتتباعد في أخرى، بينما تحاول الإمارات أن تكون "الوسيط الميسر" الذي يقرب وجهات النظر بين باريس والرياض، مع الحفاظ على تميزها الخاص ويبرز الملف النووي السلمي كساحة منافسة جديدة، حيث تتطلع السعودية للاستفادة من الخبرات الفرنسية (شركة EDF)، وهو المسار الذي سبقتها إليه الإمارات بالتعاون مع كوريا الجنوبية وفرنسا.
التحولات الاستراتيجية.. فرنسا كبديل عن واشنطن؟
تعكس زيارة ماكرون قناعة خليجية متزايدة بضرورة "تنويع الحلفاء". في ظل تقلب السياسة الأمريكية، يبرز ماكرون كزعيم أوروبي قادر على تقديم ضمانات أمنية طويلة الأمد و تدعم فرنسا رغبة الإمارات والسعودية في بناء "استقلالية قرار"، وهو ما ينسجم مع عقيدة ماكرون حول "السيادة الأوروبية" وتعمل باريس مع أبوظبي على تنسيق المواقف تجاه "التهديدات العابرة للحدود"، سواء في منطقة الساحل الأفريقي أو في شرق المتوسط، حيث تلعب الإمارات دوراً تمويلياً وسياسياً داعماً للتحركات الفرنسية.
توازن القوى في الخليج
إن زيارة الرئيس الفرنسي إلى الإمارات هي رسالة موجهة للداخل والخارج؛ مفادها أن باريس اختارت الإمارات كـ "مرساة" لها في المنطقة ومع ذلك، يظل التحدي الفرنسي متمثلاً في كيفية الحفاظ على هذا التحالف النوعي مع أبوظبي دون استفزاز السعودية، التي تعد الشريك التجاري الأكبر لفرنسا في المنطقة.
بينما تستمر الإمارات في تعزيز ترسانتها العسكرية الفرنسية، تجد السعودية نفسها مدفوعة لتسريع وتيرة مفاوضاتها الخاصة مع باريس، مما يجعل من فرنسا الرابح الأكبر في سباق النفوذ والتموضع داخل "البيت الخليجي".







