انفجار رفح والخروقات الإسرائيلية.. هل يواجه اتفاق وقف إطلاق النار خطر الانهيار؟
تشهد فلسطين حالة من التوتر الشديد عقب الحادثة الأمنية التي وقعت في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والتي أسفرت عن إصابة جنود إسرائيليين إثر انفجار استهدف ناقلة جند من طراز "نمر".
تفاصيل حادثة رفح: انفجار في "منطقة سيطرة إسرائيلية"
أعلنت وسائل إعلام عبرية، مساء الأربعاء، عن وقوع انفجار استهدف آلية عسكرية إسرائيلية من نوع "نمر" (الناقلة الأكثر تحصيناً في جيش الاحتلال) أثناء تحركها في مدينة رفح. الحادث أسفر عن إصابات متفاوتة بين الجنود، جرى نقلهم على إثرها بمروحيات عسكرية إلى المستشفيات داخل الأراضي المحتلة.
موقف حركة حماس: "الاحتلال مسؤول عن مخلفاته"
في بيان رسمي صادر عن حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وضعت الحركة النقاط على الحروف فيما يخص جغرافيا الانفجار ومسؤوليته:
أكدت الحركة أن الانفجار وقع في منطقة تخضع لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي بالكامل، حيث لا يتواجد أي عنصر فلسطيني (سواء من المقاومة أو الأجهزة المدنية) في تلك المربعات الأمنية.
وأشارت حماس إلى أنها حذرت مراراً من خطورة "مخلفات الحرب" والعبوات التي زرعها الاحتلال نفسه في المناطق التي توغل فيها، مؤكدة أنها غير مسؤولة عن أي انفجارات ناتجة عن هذه الأجسام المشبوهة منذ بدء تنفيذ الاتفاق.
واعتبرت الحركة أن محاولات الاحتلال ربط المقاومة بهذا الانفجار هي "اختلاق للمبررات" من أجل التنصل من الالتزامات الدولية والاستمرار في التصعيد العسكري.
خريطة السيطرة العسكرية في قطاع غزة (المرحلة الأولى)
من الضروري فهم الواقع الجغرافي الذي يفرضه الاحتلال حالياً لفهم سياق الحوادث الأمنية. وفقاً لبنود الاتفاق في مرحلته الأولى:
نسبة السيطرة: لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يبسط سيطرته العسكرية على نحو 53% من مساحة قطاع غزة.
المناطق العازلة: تشمل هذه النسبة "محور فيلادلفيا" في رفح، و"محور نتساريم" الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، بالإضافة إلى الحزام الأمني على طول الحدود الشرقية والشمالية.
الانسحاب التدريجي: ينص الاتفاق على أن يكون هذا الوجود مؤقتاً، على أن يتم الانسحاب التدريجي ضمن مراحل الاتفاق الثلاث، وهو ما لم يتحقق منه الكثير على أرض الواقع بفعل المماطلة الإسرائيلية.
فاتورة الخروقات: 406 شهداء منذ "وقف إطلاق النار"
رغم الحديث الدبلوماسي عن التهدئة، إلا أن الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة ترسم صورة دموية للواقع الميداني. منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، سجلت الإحصائيات ما يلي:
عدد الشهداء: ارتفع إلى 406 شهداء فلسطينيين نتيجة الاستهدافات المباشرة.
عدد الجرحى: وصل إلى 1,118 مصاباً، الكثير منهم يعانون من إعاقات دائمة بسبب استهداف المناطق المأهولة.
أنواع الخروقات: شملت الخروقات عمليات قصف مدفعي مركز، وإطلاق نار من المسيرات (الدرونات) على النازحين، وتوغلات محدودة في المناطق التي كان من المفترض الانسحاب منها.
الدلالات السياسية والعسكرية لانفجار رفح
يمثل انفجار ناقلة الجند "نمر" في رفح تحدياً أمنياً كبيراً لجيش الاحتلال، لعدة أسباب:
فشل التطهير الهندسي
إذا كانت المنطقة تقع تحت سيطرة الاحتلال بالكامل، فإن وقوع انفجار بعبوة ناسفة يعني فشلاً ذريعاً للوحدات الهندسية الإسرائيلية في تأمين المسارات العسكرية، أو أن المقاومة نجحت في زراعة "ألغام صامتة" تعمل بآليات تأخير معقدة.
الضغط الشعبي داخل دولة الاحتلال
مثل هذه الحوادث تزيد من الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو، حيث تتصاعد الأصوات التي تسأل عن جدوى البقاء العسكري في مناطق خطرة مثل رفح إذا كانت الاتفاقات السياسية لا توفر الأمن للجنود.
التمسك بـ "الحياد الإيجابي" للمقاومة
المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، تحرص في بياناتها على التأكيد على "الالتزام بالاتفاق". هذا الخطاب يهدف إلى نزع الذرائع من يد الاحتلال أمام الوسطاء (قطر ومصر والولايات المتحدة)، وإظهار إسرائيل كطرف "مارق" على الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة.
مستقبل الاتفاق في ظل التصعيد في رفح
تواجه التهدئة الحالية ثلاثة سيناريوهات محتملة في ظل التطورات الأخيرة:
السيناريو الأول: الانهيار التدريجي
وهو السيناريو الذي تدفعه الخروقات الإسرائيلية المستمرة. فاستمرار سقوط الشهداء بوتيرة عالية قد يدفع أذرع المقاومة العسكرية للرد دفاعاً عن المدنيين، مما يعيد الأمور إلى مربع المواجهة الشاملة.
السيناريو الثاني: ضغط الوسطاء لتثبيت المرحلة الثانية
قد تدفع حادثة رفح الوسطاء الدوليين للتعجيل في الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تشمل انسحاباً أوسع لجيش الاحتلال، لتقليل نقاط الاحتكاك التي تؤدي لاندلاع اشتباكات أو وقوع انفجارات.
السيناريو الثالث: فرض "واقع أمني" جديد
قد يستخدم الاحتلال حادثة الانفجار كذريعة لرفض الانسحاب من "محور فيلادلفيا" ورفح، مدعياً أن المنطقة لا تزال تشكل خطراً أمنياً، وهو ما ترفضه حماس والجانب المصري جملة وتفصيلاً.
دور "مخلفات الحرب" في تأزيم المشهد
تعتبر مخلفات الحرب (القنابل غير المنفجرة، الألغام، العبوات) قنبلة موقوتة تهدد حياة الجميع في غزة. وحسب تقارير أممية، فإن آلاف الأطنان من المتفجرات التي ألقاها الاحتلال لم تنفجر بعد، وهي تنتشر في الشوارع وتحت الأنقاض.
ووفقاً للقانون الدولي الإنساني، يقع عاتق تطهير المناطق التي تم احتلالها على عاتق "قوة الاحتلال" ويحاول الاحتلال تحويل هذه الكوارث البيئية والأمنية إلى اتهامات سياسية ضد الفلسطينيين، بينما تؤكد الوقائع الميدانية أن المناطق التي وقعت فيها الانفجارات مؤخراً هي مناطق "عسكرية مغلقة" للجيش الإسرائيلي.
رفح بوصلة الصراع القادم
إن ما حدث في رفح اليوم ليس مجرد حادث أمني عابر، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بجدية الاحتلال في إنهاء الحرب. إن إصرار إسرائيل على إبقاء أكثر من نصف القطاع تحت السيطرة العسكرية يخلق بيئة خصبة للاحتكاك المستمر، ويجعل من "وقف إطلاق النار" مجرد هدنة هشّة لا توفر الأمان للفلسطينيين.
على المجتمع الدولي والوسطاء إلزام الاحتلال بتطبيق بنود الانسحاب الكامل، وتوفير الحماية للمدنيين من القصف والخروقات اليومية التي حصدت أرواح المئات منذ التوقيع. فالمقاومة، رغم تأكيدها على الالتزام، لن تظل صامتة طويلاً أمام استنزاف دماء أبنائها تحت غطاء "اتفاقات" لا تُطبق إلا من طرف واحد.









