20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل لم تعد واحدة.. موت الصهيونية كمشروع قومي

موت الصهيونية.. في 7 أكتوبر، لم تسقط فقط حدود، بل سقطت الأسطورة: أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، وأسطورة الدولة التي تحمي مواطنيها

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥
12 دقائق قراءة
30 مشاهدة
د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل لم تعد واحدة.. موت الصهيونية كمشروع قومي

د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل لم تعد واحدة.. موت الصهيونية كمشروع قومي

موت الصهيونية.. في 7 أكتوبر، لم تسقط فقط حدود، بل سقطت الأسطورة: أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، وأسطورة الدولة التي تحمي مواطنيها، وأسطورة المشروع الصهيوني كـ”حل” للهوية اليهودية.  

موت الصهيونية.. إسرائيل لم تعد واحدة

الصورة التي بُني عليها الكيان الصهيوني طوال عقود — دولة “ديمقراطية”، “محصنة”، “أقوى من أعدائها” — تهاوت في ساعات، وانكشف أن “إسرائيل” لم تعد واحدة، بل مجتمعاً مجزّأ، يعيش على كراهية الآخر، ويفقد الثقة بقيادته وجيشه.

السؤال الاستفزازي الذي لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام أول يوم من نهاية الصهيونية كمشروع قومي، أم مجرد أزمة مؤقتة؟  

موت الصهيونية.. طبيعة التحوّل

الجواب ليس في حجم الدمار، بل في طبيعة التحوّل: 7 أكتوبر لم يكن مجرد هجوم، بل صدمة وجودية كشفت أن المشروع الصهيوني لم يعد قادراً على تبرير نفسه، لا داخلياً ولا خارجياً.


1. إسرائيل لم تعد واحدة
ظاهرة التفكك المجتمعي والانقسام الداخلي في إسرائيل سبقت  7 أكتوبر حيث كان بوادر انقلاب يميني متطرف على النظام السياسي لاسرائيل، ادخل الدولة في مواجهات وتحديات على كل المستويات وخاصة الجيش ورفض الاوامر من ضباط في سلاح الطيران، لكن بعد 7اكتوبر عمق الأزمة الداخلية اتضح انه لم يكن مجرد خلاف سياسي حول الحرب أو “اليوم التالي”، بل شرخ مجتمعي وأمني يهدد تماسك الدولة.


موت الصهيونية.. انهيار الإجماع القومي الأمني 

صحيح، في السنوات الأخيرة، خاصة خلال فترات حكم بنيامين نتنياهو، لاحظنا الكثير من المحللين أن هناك تباينات داخل الإجماع القومي الأمني الإسرائيلي. 

ومسببات ذلك يمكن تلخيصها كالتالي:
1.السياسات والخطوات الحادة:** قرارات نتنياهو أحيانًا كانت تتسم بالحدة وترفض توجيهات الحيش او نصائحه، مثل التوجه نحو تغييرات في السلطة القضائية أو السياسات الأمنية، وهو ما أدى إلى بعض الانقسامات والتوترات داخل المجتمع الإسرائيلي وأوساط القوة الأمنية والعسكرية.

موت الصهيونية.. الانقسامات السياسية

2.الانقسامات السياسية: نتنياهو يقود حكومة يمينية متطرفة تحتقر علمانية الدولة، لكن هناك تزايد في الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، مع معارضة قوية من خصومه، خاصة حول قضايا الأمن والديموقراطية، مما أضعف بعض عناصر الإجماع.


3.لأوضاع الأمنية المتقلبة: خلال فترات حكمه، شهدت إسرائيل تصعيدات أمنية وخلط بين الاجندات الشخصية والسياسية واستخدام الحرب لخدمتها او اطالتها كما يحري في غزة او فتح جبهات كما جرى مع ايران، من حروب و عمليات، واشتباكات، وتحديات من قبل حماس، إيران، وغيرها. هذه التحديات أظهرت أحيانًا أن هناك تباينًا في تقديرات أفضل أساليب الرد، أو في أولويات السياسات الأمنية.

موت الصهيونية.. جدل حول التنازلات


4.جدل حول التنازلات:  بعض سياساته تجاه الفلسطينيين أو التهديدات الإقليمية أدت إلى جدالات داخل المجتمع الإسرائيلي، بين من يرى ضرورة التشدد والحفاظ على القوة، وبين من يفضل خطوات أكثر حذرًا أو تفاوضية، حيث يرفض مع اليمين المتكرف تقديم اي ثمن سياسي لصالح الفلسطيينين لتشجيع دول دخول مسار التطبيع الترامبي .

رقعة الخلاف مع المعارضة على تحديد أولويات ومصالح الدولة و اجندات نتنياهو،  لقد كان على الاقل قبل 7 أكتوبر، كان إجماع على أن الجيش والأجهزة الأمنية هما الضامن للوجود، وأن “الإنذار المبكر” يمنع أي هجوم كبير.  

موت الصهيونية.. هشاشة هذا الراي والتقدير

لكن فشلهم الذريع في منع هجوم 7 أكتوبر كشف هشاشة هذا الراي والتقدير، وانهار الثقة بالمؤسسة العسكرية والاستخباراتية وتعمقت الهوة الخلافية بين المستوى السياسي والعسكري واستغل ذلك نتنياهو ليحد من قدسية الجيش و يهز الثقة به.

 
كما قال أحد كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي، في مقابلة حديثة:  
الدرس من 7 أكتوبر هو أن الاستباق لم يعد كافيًا؛ نحن بحاجة إلى منع، أي منع العدو من أن يُصبح قادرًا على الهجوم أصلاً” [1].
وهذا التحوّل من “الاستباق” إلى “المنع” ليس فقط تكتيكياً، بل يعكس أزمة ثقة عميقة في قدرة المؤسسة الأمنية على حماية “الجبهة الداخلية”.
تزايد قوة اليمين المتطرف في المجتمع الإسرائيلي 
الهجوم والردّ الدموي على غزة عجّلا من انزياح الخريطة السياسية نحو اليمين والمتطرف.  
ما كان يُعد “وسطاً” أصبح يميناً، وما كان يميناً أصبح متطرفاً، وظهرت مطالبات علنية بتصفية حماس، وتهجير الفلسطينيين، وفرض “السيادة” على الضفة وعودة الاستيطان في غزة.  
كما قال أحد وزراء الأمن الإسرائيليين:  
 “غزة لم تعد مشكلة أمنية، بل وجودية؛ الحل ليس فقط عسكريًا، بل ديموغرافيًا” [2].

موت الصهيونية.. تراجع كبير لخطاب الدولة الديمقراطية

هذا الخطاب لا يعكس فقط تشدداً أمنياً، بل يعكس تراجعاً كبيراً لخطاب الدولة “الديمقراطية” لصالح خطاب الاستيطان والتطهير العرقي.
انقسام مجتمعي حاد
هناك تصدّع بين من يرى أن نتنياهو وحكومته مسؤولون عن الفشل، وبين من يرى أن “العدو” هو من يهدد الوجود.  
ظهرت احتجاجات داخلية ضد الحكومة، لكنها لم تتحول إلى دعم للفلسطينيين، بل إلى مطالبة بـ”إنقاذ الرهائن” و”الانتقام”، ما يدل على أن الانقسام لا يمس جوهر المشروع الصهيوني، بل يدور حول أدواته وقيادته.  
كما قال أحد كبار المحللين الاستراتيجيين:  
“الدولة لم تعد ديمقراطية، بل يهودية؛ والحرب لم تعد خيارًا، بل هوية[3].

2. موت الصهيونية كمشروع قومي
قد تكون الصهيونية كإيديولوجيا لا تزال حية، لكنها اليوم تشهد انهيار او تصدع  داخلي وتحول استراتيجي، ومشروعها القومي يواجه أزمة وجودية وسياسية، لا “موتاً” فجأة، بل تفككاً تدريجياً في واقعه وشرعيته.

▪︎الصهيونية كمشروع استيطاني استعماري.
الصهيونية قامت على فكرة الدولة اليهودية على أرض فلسطين، مع تهجير الفلسطينيين أو تهميشهم واستخدمت وسائل الارهاب القتل  والمذابح الجماعية للتهجير والتطهير كمذابح دير ياسين وقانا ، وهذه الفكرة لم تمت، بل تتجدد في مطالبات بتهجير الفلسطينيين من غزة، وتوسيع الاستيطان في الضفة بل احتلالها من جديد ، وفرض “السيادة” الكاملة.  
هذا يعني أن المشروع القومي لا يموت، بل يتحول إلى شكل أكثر عنفاً وعنصرية وتطرفا حيث يخضع لاحزاب عمصرية متطرفة في ايدلوجيتها المستمدة من حركة كاخ المحظورة.
كما قال المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه:  
“الصهيونية كمشروع استيطاني استعماري وصل إلى مرحلة النضال من أجل البقاء، وليس من أجل التوسع فقط” [4].

▪︎أزمة الهوية والشرعية
داخل إسرائيل، تتصاعد أسئلة حول طبيعة الدولة: هل هي دولة يهودية أم ديمقراطية؟ وهل يمكن أن تبقى “يهودية” في ظل توازن ديموغرافي يقارب 1:1 مع الفلسطينيين؟  
هذه الأزمة تدفع نحو خيارات إما “الدولة اليهودية” بمعنى دولة أبارتهايد، أو “التطهير العرقي”، وهما خياران يعكسان أزمة المشروع الصهيوني، وارهاصات الانهيار التدريحي  لا موته فجأة.
كما قال أحد كبار المسؤولين في الجيش:  
 “الضفة لم تعد أرضًا محتلة، بل جزءًا من إسرائيل؛ الحل ليس دولة فلسطينية، بل سيطرة إسرائيلية دائمة” [5].

▪︎الانقسام بين الصهيونية واليهودية
هناك تيار يرى أن الصهيونية استبدلت اليهودية، وأن “إسرائيل هي اليهودية”، بينما يرى آخرون أن الصهيونية تهدد اليهودية كدين وثقافة.  
هذا الصراع الداخلي يعكس أن المشروع القومي لم يعد مقبولاً بشكل مطلق، بل يواجه نقداً من داخل الجماعات اليهودية نفسها، خاصة في الشتات.
أحد كبار الدبلوماسيين الإسرائيليين قال:  
“السلام لم يعد خيارًا، بل خطرًا؛ والحرب لم تعد خيارًا، بل استراتيجية” [5].
▪︎7أكتوبر كنقطة تحوّل
 لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل صدمة عميقة أعادت تشكيل البنية الداخلية لإسرائيل، وغيّرت طبيعة العلاقات الدولية لإسرائيل وهزت الثقة بشرعيتها والدور الوظيفي الاستعماري في المنطقة.

▪︎التحول في النظرية الأمنية

فشل “الردع” و”الإنذار المبكر” دفع إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن القومي، وظهرت مطالبات بزيادة حجم الجيش، وتوسيع الصناعة العسكرية، واعتماد استراتيجية “المنع” (الحرب الاستباقية) و الحديث عن استثمار 120 مليار ظولار في تكوير الصناعات العسكرية والامنية والتقليل من الاعتماد على الخارج حتى الخلفاء حديث نتنياهو.  
هذا يعني تحولاً من دولة “دفاعية” إلى دولة “هجومية” بشكل دائم.
خبير أمني في معهد الأمن القومي الإسرائيلي:  
“النظرية الجديدة تقوم على أننا لا ننتظر التهديد، بل نُعيد تشكيل البيئة الإقليمية لمنع ظهور أي تهديد من الأساس[6].

▪︎الانهيار الاقتصادي والاجتماعي
الحرب كلفت الاقتصاد الإسرائيلي عشرات المليارات، وارتفع العجز، وانخفض الاستثمار، وظهرت ظاهرة هجرة “العقول”، خاصة من قطاع التكنولوجيا، ما يهدد النموذج الاقتصادي الإسرائيلي، ويضغط على الدولة لتقليل الخدمات الاجتماعية، ما قد يولد احتجاجات اجتماعية جديدة وهبك التصنيف الائتماني في المصرف الدولي.

الانقسام السياسي والقيادي

صراع بين نتنياهو والمؤسسة الأمنية حول المسؤولية عن الفشل، وصراع حول مستقبل الحكومة، واحتمالات انتخابات مبكرة، كل ذلك يعكس أن النظام السياسي يمر بمرحلة انتقالية، لكنه لا يهدد المشروع الصهيوني ككل، بل يعيد ترتيب أولوياته.

4. ما بعد الصهيونية؟
الصهيونية كمشروع قومي لا تزال قائمة، لكنها تمر بمرحلة أزمة وجودية، و”نهايتها” ليست حتمية، بل تعتمد على عدة عوامل داخلية اكثر منها خارجية دون اسقاط العوامل الخارجية.

السيناريو الأول: دولة أبارتهايد كاملة
- يهودية في كل فلسطين، وفلسطينيون تحت الحكم العسكري.  
- تهويد كامل للضفة الغربية وفرض السيادة الكاملة عليها، وتهجير من غزة وعودة الاستيطان ، فرض “السيادة” الإسرائيلية على كل فلسطين وابعد من ذلك.  
- تحول إسرائيل إلى دولة فصل عنصري، تعيش على القوة، وتعتمد على الدعم الأمريكي.

السيناريو الثاني: تفتيت إسرائيل داخلياً
- انهيار الدولة، وانقسامها إلى كيانات يهودية متقاتلة على القباىل القديمة والممالك اليهودية.  
- صراع داخلي بين العلمانيين والمتدينين، واليمين واليسار، حول طبيعة الدولة.  
- تحول إسرائيل إلى كيان عسكري، يُدار من قبل المؤسسة الأمنية، وليس من قبل المؤسسات المدنية.

السيناريو الثالث: تسوية تفرضها الضغوط الدولية

- تسوية تُنهي المشروع الصهيوني كدولة يهودية، وتُقيم دولة ثنائية القومية.  
- اعتراف دولي بحقوق الفلسطينيين، وفرض حل يُنهي الاحتلال.  
- تحول إسرائيل إلى دولة مدنية، تُشارك فيها جميع مكونات السكان.

الخلاصة : سؤال يُربك الصهيوني
السؤال الذي يُربك الصهيوني:  
- إذا كانت إسرائيل لم تعد واحدة، وإذا كانت الصهيونية لم تعد مشروع قومي، فما الذي تبقى؟ هل تبقى دولة، أم تصبح مجرد قاعدة عسكرية؟ وهل تبقى يهودية، أم تتحول إلى كيان عسكري يهودي؟

السؤال الآن ليس: كيف تُعيد إسرائيل بناء جيشها؟  
بل: كيف تُعيد بناء سردها، بعد أن سقط السرد القديم، وصار السرد الجديد يُربك حتى من يُروّجون له؟
7 أكتوبر لم يكن بداية النهاية، بل أول يوم من النهاية: نهاية المشروع الصهيوني كمشروع قومي، وبداية عصر ما بعد الصهيونية.  
وان  إسرائيل لم تعد واحدة، والصهيونية كمشروع قومي في مرحلة النهاية.
وان7 أكتوبر لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل صدمة وجودية كشفت أن “الدولة اليهودية” لم تعد واحدة، بل مجتمعاً مجزّأ، يعيش على كراهية الآخر، ويفقد الثقة بقيادته وجيشه.  
الانقسام الداخلي لم يعد بين يمين ويسار، بل بين من يرى أن إسرائيل يجب أن تبقى دولة، ومن يرى أنها يجب أن تصبح مجرد قاعدة عسكرية.
الصهيونية، كمشروع قومي استيطاني استعماري، لم تُقتل بفعل الفلسطينيين، بل ماتت من داخلها:  
- لأنها فشلت في حل “المسألة الفلسطينية”.  
- لأنها حوّلت إسرائيل إلى دولة حصار وحرب دائمة.  
- لأنها حوّلت اليهودية من دين وثقافة إلى أيديولوجيا عنصرية.
وهكذا 7 أكتوبر لم يكن بداية النهاية، بل أول يوم من النهاية: نهاية المشروع الصهيوني كمشروع قومي، وبداية عصر ما بعد الصهيونية.  


المراجع:
[1] تقييم مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي: تحولات وتحديات في ضوء السابع من أكتوبر https://www.al-akhbar.com/a
[2] الإستراتيجية الأمنية التي تحرك إسرائيل بعد السابع من أكتوبر | PNN https://pnn.ps/news/716623
[3] 6 عوامل تؤكد قرب نهاية المشروع الصهيوني وفق المؤرخ الإسرائيلي إيلان ... https://arabic.euronews.com/2024/01/16/ilan-pappe-israeli-historien-this-is-the-beginning-of-the-end-of-the-zionist-project
[4] معهد الأمن القومي الإسرائيلي: 7 أكتوبر حوّل الثقة الإسرائيلية المفرطة

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل لم تعد واحدة.. موت الصهيونية كمشروع قومي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°