صرخة دولية للإفراج عن الدكتور حسام أبو صفية و360 كادراً صحياً في سجون الاحتلال
في مثل هذا اليوم، السابع والعشرين من ديسمبر، يكتمل عام كامل على واحدة من أبشع فصول استهداف المنظومة الصحية في قطاع غزة؛ الذكرى السنوية الأولى لاختطاف الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، الذي تحول من طبيب يداوي الجراح تحت القصف إلى أسير يواجه التعذيب الممنهج في زنازين الاحتلال.
ومع مرور عام على هذا الإخفاء القسري، تجددت المطالبات الحقوقية والدولية بضرورة الإفراج الفوري عن أكثر من 360 عاملاً صحياً ما زالوا يرزحون تحت وطأة التنكيل، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تستهدف إبادة النظام الصحي الفلسطيني بالكامل.
اختطاف الدكتور حسام أبو صفية: تفاصيل اقتحام مستشفى كمال عدوان
بدأت فصول المأساة في 27 ديسمبر 2024، حينما حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، والذي كان يمثل آنذاك الرئة الأخيرة التي يتنفس منها الجرحى في الشمال. وتحت وابل من النيران وقذائف الدبابات، اقتحم جيش الاحتلال المستشفى واعتقل الدكتور حسام أبو صفية (52 عاماً) رفقة العشرات من أفراد الطقم الطبي، في مشهد وصفه شهود عيان بأنه "اقتياد للملائكة إلى الجحيم".
زعم جيش الاحتلال، كعادته دون تقديم أدلة ملموسة، أن المستشفى يُستخدم كمركز قيادة لحركة حماس، وهي الذريعة التي استخدمت لتدمير معظم المستشفيات في غزة. إلا أن الوقائع على الأرض أكدت أن أبو صفية كان يدير صرحاً طبياً يقدم خدمات طارئة لآلاف المدنيين العزل.
ضريبة الصمود: شهادة النجل وإصابة الأب
لم تكن تضحيات الدكتور أبو صفية مهنية فحسب، بل دفع ثمناً شخصياً باهظاً؛ فقد استشهد نجله البالغ من العمر 15 عاماً في غارة بطائرة مسيرة أثناء محاولته مساعدة النازحين، كما أصيب الدكتور نفسه بست شظايا في ساقه في هجوم منفصل سبقه اعتقاله، مما جعل احتجازه لاحقاً دون رعاية طبية ضرباً من صنوف القتل البطيء.
من "سديه تيمان" إلى "عوفر": رحلة التعذيب الوحشي
بعد اختطافه، نُقل الدكتور أبو صفية إلى معسكر سديه تيمان في صحراء النقب، وهو الموقع الذي وصفته تقارير دولية بـ "غوانتانامو إسرائيل"، حيث سُجلت فيه حالات وفاة عديدة وتقارير موثقة عن اعتداءات جنسية وتعذيب وحشي.
صرخة دولية للإفراج عن الدكتور حسام أبو صفية و360 كادراً صحياً في سجون الاحتلال
نقلت الطواقم القانونية عن الدكتور أبو صفية إفادات تشيب لها الولدان، حيث تعرض للضرب بالعصي والصعق بالكهرباء: بشكل متكرر لانتزاع اعترافات حول نشاطات وهمية داخل المستشفى، كسور في الأضلاع وإصابات جسدية متعددة أدت إلى فقدان حاد في الوزن وهزال شديد، الحرمان من العلاج رغم إصابته السابقة بالشظايا، حُرم من الرعاية الطبية المناسبة، مما ضاعف من آلامه.
لاحقاً، نُقل أبو صفية إلى سجن "عوفر" في الضفة الغربية، حيث مددت المحاكم الإسرائيلية اعتقاله بموجب قانون "المقاتل غير الشرعي"، وهو قانون يتيح للاحتلال احتجاز الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة لفترات غير محدودة.
"أطباء ضد الإبادة": حراك دولي لا يتوقف
تزامناً مع مرور عام على اعتقاله، أطلقت منظمات دولية مثل "كود بينك" ومنظمة "أطباء ضد الإبادة الجماعية" حملات رقمية وميدانية واسعة. وصرح الدكتور ييبينغ غي، عضو المنظمة، قائلاً: "لن ننسى الدكتور أبو صفية ولا الـ 360 عاملاً صحياً الذين اختطفوا. إن صمت العالم هو ضوء أخضر لاستمرار هذه الجرائم. أطلقوا سراحهم جميعاً".
من جهتها، وصفت الناشطة الحقوقية بيترا شورنهوفر احتجاز أبو صفية بـ "الاحتجاز غير القانوني واللاإنساني"، محذرة من أن استهداف الكوادر الطبية هو استهداف لحق الحياة لكل فلسطيني في غزة.
استهداف الكوادر الطبية: سياسة ممنهجة للإبادة الجماعية
لم يكن الدكتور حسام أبو صفية الحالة الوحيدة، بل هو جزء من إحصائية دامية تشير إلى استشهاد أكثر من 1500 كادر صحي منذ أكتوبر 2023. وتبرز حالة الدكتور عدنان البرش، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء، كشاهد ملك على وحشية السجان؛ حيث أكدت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي أن البرش "يُرجح أنه تعرض للاغتصاب حتى الموت" داخل المعتقل، مما يرفع سقف التهم الموجهة لإسرائيل إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية".
الحزن الذي يقتل: قصة والدة أبو صفية
في يناير الماضي، فُجع الوسط الطبي بوفاة والدة الدكتور أبو صفية إثر نوبة قلبية. وأكدت منظمة "ميدغلوبال" الأمريكية أن الوفاة كانت نتيجة "الحزن الشديد" والقلق الوجودي على مصير ابنها المغيب، مما يبرز الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي تتركه سياسة الاعتقال القسري على العائلات الفلسطينية.
لجنة التحقيق الأممية: تدمير النظام الصحي جريمة حرب
خلصت لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل تنتهج سياسة متعمّدة لتدمير النظام الصحي في قطاع غزة. هذا الاستهداف، الذي شمل قصف المستشفيات، قتل الأطباء، واختطاف المديرين، يرقى وفق القانون الدولي إلى جرائم حرب عبر استهداف أعيان مدنية محمية جرائم ضد الإنسانية:متمثلة في الإبادة الجماعية عبر حرمان السكان من الرعاية الطبية الأساسية.
نداء عاجل: أطلقوا سراح أطباء غزة
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال المعلق في فضاء المجتمع الدولي: متى تنتهي حصانة الإفلات من العقاب، إن استمرار احتجاز الدكتور حسام أبو صفية وزملائه هو طعنة في قلب المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف.
تطالب المنظمات الحقوقية اليوم بالآتي الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة الكوادر الطبية المختطفة السماح للجنة دولية مستقلة بزيارة السجون ومعاينة الحالة الصحية للمعتقلين ومحاسبة القادة الإسرائيليين المسؤولين عن إصدار أوامر استهداف وتدمير المستشفيات في غزة.
سيبقى الدكتور حسام أبو صفية رمزاً للطبيب الذي رفض مغادرة مرضاه رغم الموت المحقق، وستبقى ذكراه ورفاقه وقوداً للمطالبة بالعدالة، إن تحرير الأطباء ليس مطلباً فلسطينياً فحسب، بل هو معيار لمدى تبقي "إنسانية" في هذا العالم الذي يشاهد بصمت إبادة من نذروا حياتهم لإنقاذ الآخرين.









