21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

زلزال حضرموت.. "مليونية سيئون" ترسم خارطة النفوذ الجديد وصراع الإرادات في جنوب اليمن

زلزال حضرموت.. "مليونية سيئون" ترسم خارطة النفوذ الجديد وصراع الإرادات في جنوب اليمن

بقلم: محمد خميس
٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
26 مشاهدة
الجنوب العربي

الجنوب العربي

زلزال حضرموت.. "مليونية سيئون" ترسم خارطة النفوذ الجديد وصراع الإرادات في جنوب اليمن

يشهد وادي حضرموت في أواخر ديسمبر 2025 تحولاً دراماتيكياً قد يغير وجه الخارطة السياسية لليمن والمنطقة بأكملها؛ حيث احتشد مئات الآلاف من أبناء المحافظة في مدينة "سيئون" تلبية لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي.

 هذه المليونية، التي جاءت في سياق تصعيد ميداني وسياسي غير مسبوق، لم تكن مجرد تظاهرة احتفالية بذكرى الاستقلال، بل كانت بمثابة "استفتاء شعبي" وتكريس لواقع جديد فرضته القوات الجنوبية على الأرض، وسط صراع محتدم على الشرعية بين مكونات مجلس القيادة الرئاسي والقوى الحضرمية المحلية.

المشهد الميداني

تأتي "مليونية سيئون" الحالية بعد أسابيع قليلة من عملية عسكرية خاطفة أطلق عليها الانتقالي "عملية المستقبل الواعد"، والتي أدت إلى سيطرة قواته على حواضر وادي حضرموت، بما فيها مطار سيئون والقصر الجمهوري ومقرات المنطقة العسكرية الأولى. 

هذا التحول العسكري منح الحشود الجماهيرية زخماً إضافياً، حيث تحول شارع الستين في سيئون إلى ساحة لإعلان السيادة الجنوبية الكاملة على أهم المحافظات النفطية في البلاد، مما وضع الحكومة الشرعية والمكونات المعارضة للانتقالي في مأزق سياسي وعسكري معقد.

دلالات الحشد في حضرموت

تحمل "مليونية سيئون" في طياتها جملة من الدلالات الاستراتيجية التي تتجاوز حدود الجغرافيا الحضرمية حيث يهدف الانتقالي من هذا الحشد إلى إثبات أن حضرموت، رغم خصوصيتها التاريخية، تظل "رأس الجسد الجنوبي" والمحرك الرئيسي لمشروع استعادة الدولة، رداً على المحاولات التي سعت لتصوير المحافظة ككيان منفصل عن الهوية الجنوبية.

كما أن حضرموت تمثل 80% من احتياطيات النفط اليمني؛ وبالتالي فإن الحشد الشعبي في سيئون يمنح الانتقالي "تفويضاً جماهيرياً" للسيطرة على المنشآت النفطية وإدارة الموارد، وهو ما تراه قيادة المجلس شرطاً أساسياً لضمان استمرارية أي كيان جنوبي قادم.

وكانت سيئون لسنوات معقلاً لقوات المنطقة العسكرية الأولى المحسوبة على حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين)؛ وجاءت المليونية لتعلن طي هذه الصفحة رسمياً والمطالبة بإحلال "النخبة الحضرمية" في كافة مفاصل الوادي والصحراء.

الصراع على الشرعية في الجنوب

يعيش الجنوب اليمني اليوم حالة من "ازدواجية الشرعية" التي وصلت إلى ذروتها في ديسمبر 2025. فمن جهة، هناك "شرعية المؤسسات" المتمثلة في مجلس القيادة الرئاسي الذي يرأسه الدكتور رشاد العليمي، ومن جهة أخرى "شرعية الأرض والتفويض" التي يرفع لواءها المجلس الانتقالي بقيادة اللواء عيدروس الزبيدي.

وكشفت أحداث سيئون عن فجوة عميقة داخل المجلس الرئاسي؛ حيث اتهم العليمي قوات الانتقالي بـ "التمرد"، بينما يرى وزراء الانتقالي في الحكومة أن تحركاتهم هي "تصحيح للمسار" وحماية للجنوب من خلايا الإرهاب والنفوذ الحوثي المتسلل.

وتعتبر المملكة العربية السعودية استقرار حضرموت "خطاً أحمر" نظراً لموقعها الحدودي الحساس؛ إلا أن الانتقالي نجح في فرض "أمر واقع" جعل من الصعب تجاوز مطالبه في أي تسوية سياسية قادمة تقودها الأمم المتحدة أو الوساطة العمانية.

وبرزت في المقابل أصوات حضرمية مثل حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع تطالب بـ "ندية" المحافظة واستقلال قرارها بعيداً عن المركزية في عدن أو صنعاء، مما يخلق صراعاً داخلياً "جنوبياً-جنوبياً" يحاول الانتقالي احتواءه عبر إشراك الرموز القبلية في هيكله التنظيمي.

الموقف الإقليمي والدولي

تراقب واشنطن ولندن التحركات في سيئون بقلق، خوفاً من أن يؤدي انهيار التوافق داخل المجلس الرئاسي إلى فتح ثغرات أمنية تستغلها الجماعات المتطرفة مثل "القاعدة".

 وفي الوقت نفسه، يروج الانتقالي لنفسه كشريك دولي موثوق في مكافحة الإرهاب وتأمين ممرات الملاحة الدولية في بحر العرب وخليج عدن، مستفيداً من الدعم اللوجستي الإماراتي ومن حالة "الجمود" في مفاوضات السلام مع الحوثيين في الشمال.

يرى مراقبون أن "مليونية سيئون" قد تكون التمهيد الأخير لإعلان "حكم ذاتي كامل" أو حتى إعلان الاستقلال من طرف واحد إذا استمر تدهور الخدمات وانهيار العملة الوطنية، فالمجلس الانتقالي بات يسيطر على 95% من مساحة الجنوب السابق، ويمتلك الموارد النفطية، ويحظى بقاعدة جماهيرية صلبة ظهرت بوضوح في شوارع حضرموت اليوم.

حضرموت والمنعطف التاريخي

إن ما حدث في سيئون اليوم ليس مجرد "تظاهرة عابرة"، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة "الشرعية المشتركة" وبداية مرحلة "التمكين الجنوبي الشامل".

إن  حضرموت اليوم هي بيضة القبان؛ فمن يسيطر على سيئون والقطاعات النفطية يمتلك مفاتيح الحل والعقد في اليمن. وإذا لم ينجح مجلس القيادة الرئاسي في استيعاب هذه المتغيرات عبر إصلاحات جذرية، فإن قطار الاستقلال الجنوبي قد غادر محطة "سيئون" بلا عودة، تاركاً خلفه واقعاً سياسياً جديداً يتطلب تعاملاً دولياً مختلفاً مع "دولة الجنوب" التي بدأت تتشكل معالمها من رحم رمال حضرموت.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال