أعادت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة، التي لوّح فيها بإمكانية توسيع استخدام القوة العسكرية في أوكرانيا، فتح ملف التصعيد المحتمل في واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر. فالتأكيد الروسي على أولوية الدبلوماسية، مقرونًا بالتهديد الصريح باللجوء إلى القوة، يعكس مرحلة دقيقة قد تشهد تحولات نوعية في مسار الصراع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وتأتي تصريحات بوتين في سياق إقليمي ودولي يتسم بتراجع الزخم الدبلوماسي، واستمرار الدعم العسكري الغربي لكييف، مقابل إصرار موسكو على فرض وقائع ميدانية جديدة تعزز موقعها التفاوضي، أو تعوّض ما تعتبره إخفاقًا في المسار السياسي.
رسائل بوتين وحدود التهديد
تحمل لغة بوتين دلالات تتجاوز بعدها الخطابي، إذ تعكس إعادة ضبط للسقف السياسي والعسكري الروسي. فالتلويح باستعادة “أراضٍ تاريخية” ليس مجرد توصيف أيديولوجي، بل يشير إلى نطاق جغرافي مفتوح قد يتجاوز خطوط السيطرة الحالية، ويدخل مناطق جديدة ضمن الحسابات العسكرية.
في الوقت ذاته، تحاول موسكو الإبقاء على هامش مناورة دبلوماسي، عبر التأكيد على أن استخدام القوة ليس خيارًا أوليًا، بل نتيجة لفشل الحوار. هذا الخطاب يهدف إلى تحميل الغرب وأوكرانيا مسؤولية أي تصعيد قادم، وتقديم روسيا كطرف “مضطر” لا “مبادر” بالتصعيد.
السيناريو الأول: تصعيد عسكري محدود ومحسوب
السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب يتمثل في تصعيد عسكري محدود، يركز على تكثيف الضربات الجوية والصاروخية، أو توسيع العمليات البرية في مناطق تماس محددة. يهدف هذا المسار إلى تحقيق مكاسب ميدانية تدريجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستجلب ردود فعل غربية أكثر حدة.
وفق تقديرات مراكز بحث غربية وروسية، فإن هذا النوع من التصعيد يسمح لموسكو بتحسين شروطها التفاوضية، مع الحفاظ على مستوى يمكن التحكم فيه من المخاطر، خاصة في ظل استمرار استنزاف الطرفين.
السيناريو الثاني: توسيع الجغرافيا العسكرية
يتمثل السيناريو الثاني في توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل مناطق أوكرانية لم تكن في صلب المواجهات السابقة، سواء عبر فتح جبهات جديدة أو استهداف بنى تحتية استراتيجية بشكل أوسع. هذا الخيار قد يُستخدم كورقة ضغط قصوى إذا ما رأت موسكو أن الجمود الحالي يهدد أهدافها الاستراتيجية.
غير أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يدفع أوكرانيا للمطالبة بمزيد من الدعم العسكري النوعي، ويزيد احتمالات الاحتكاك غير المباشر مع حلف شمال الأطلسي، ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي والدولي.
السيناريو الثالث: تصعيد سياسي–عسكري متكامل
في هذا السيناريو، تلجأ روسيا إلى دمج التصعيد العسكري مع خطوات سياسية أحادية، مثل إعلان ضم مناطق إضافية، أو فرض ترتيبات إدارية وأمنية جديدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويهدف هذا المسار إلى خلق وقائع يصعب التراجع عنها، وإجبار الأطراف الأخرى على التعامل معها كأمر واقع.
حسابات الغرب بعد تصريحات بوتين
لا يمكن فصل سيناريوهات التصعيد الروسية عن مواقف الغرب، الذي يوازن بين دعم أوكرانيا وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع موسكو. فكلما ارتفع مستوى التصعيد الروسي، زادت الضغوط داخل العواصم الغربية لاتخاذ ردود أكثر صرامة، سواء عبر العقوبات أو الدعم العسكري.
لكن في المقابل، تشير تقارير غربية إلى وجود تباينات داخلية حول حدود هذا الدعم، ما قد تراهن عليه موسكو لإعادة تشكيل ميزان الردع، واستغلال أي تصدعات سياسية في المعسكر المقابل.
الصراع المفتوح
تكشف تصريحات بوتين أن الحرب الأوكرانية تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث لم تعد الخيارات محصورة بين الحرب والسلام، بل بين مستويات مختلفة من التصعيد وإدارة الصراع. وفي ظل غياب مؤشرات قوية على اختراق دبلوماسي وشيك، تبقى سيناريوهات التصعيد قائمة، مع تفاوت احتمالاتها وحدّتها.
وحتى إشعار آخر، يبدو أن موسكو وكييف، ومعهما القوى الدولية الفاعلة، يواصلون السير على حافة التوازن الهش، حيث قد تتحول أي خطوة غير محسوبة إلى نقطة تحول كبرى في مسار الصراع الدولي الأوسع.










