4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

بين الإصلاح والشرعنة: هل يعالج قانون الانتظام المالي بلبنان أزمة الودائع أم يعقدها؟

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الانتظام المالي في لحظة شديدة الحساسية، مع استمرار الانهيار النقدي والمصرفي الذي يضرب البلاد منذ سنوات

بقلم: سماح عثمان
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
22 مشاهدة
قانون الانتظام المالي

قانون الانتظام المالي

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون الانتظام المالي في لحظة شديدة الحساسية، مع استمرار الانهيار النقدي والمصرفي الذي يضرب البلاد منذ سنوات، وتفاقم أزمة الودائع التي ما زالت تحرم المودعين من الوصول إلى أموالهم. الإقرار جاء وسط انقسام سياسي واقتصادي حاد، بين من يقدّم القانون باعتباره خطوة إصلاحية ضرورية، ومن يراه إجراءً متأخرًا يفتقر إلى العدالة والشفافية.

بحسب ما أعلنته الحكومة اللبنانية، يهدف القانون إلى وضع إطار عام لإدارة الخسائر في القطاع المالي، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان، بما يمهّد — نظريًا — لإعادة هيكلة شاملة تفتح الباب أمام أي اتفاق محتمل مع صندوق النقد الدولي.

قانون الانتظام المالي وأزمة الودائع

أزمة الودائع تبقى جوهر الجدل الدائر حول القانون. فمنذ بداية الانهيار، خسر المودعون القدرة على سحب أموالهم بحرية، وتعرّضت ودائعهم لاقتطاعات غير مباشرة عبر القيود المصرفية وأسعار الصرف المتعددة. ومع إقرار قانون الانتظام المالي، يخشى قطاع واسع من اللبنانيين أن يتحول القانون إلى غطاء قانوني لتحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر.

تقارير اقتصادية محلية ودولية تشير إلى أن الخسائر المتراكمة في النظام المالي اللبناني تقدّر بعشرات مليارات الدولارات، نتيجة سياسات مالية ونقدية خاطئة، وتداخل المصالح بين السلطة السياسية والقطاع المصرفي. في هذا السياق، يطرح السؤال حول ما إذا كان القانون سيؤسس لمسار عادل لتوزيع الخسائر، أم سيكرّس منطق الإفلات من المحاسبة.

مقاربة حكومية

الحكومة اللبنانية تروّج للقانون على أنه شرط أساسي لإعادة الانتظام المالي، وضرورة لا مفر منها لإقناع الجهات الدولية بجدية الإصلاح. مسؤولون حكوميون أكدوا، بحسب تصريحات رسمية، أن القانون لا يستهدف الودائع بشكل مباشر، بل يضع إطارًا يمنع الفوضى المالية ويؤسس لإصلاحات لاحقة، من بينها إعادة هيكلة المصارف.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع فقدان الثقة. فالتجارب السابقة، منذ بدء الأزمة، أظهرت فجوة عميقة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، ما يجعل الوعود الحكومية محل تشكيك واسع لدى الرأي العام.

اعتراضات واسعة

في المقابل، عبّرت جمعيات المودعين وخبراء اقتصاديون عن اعتراضات جوهرية، معتبرين أن القانون يغفل مسألة تحديد المسؤوليات، ولا يضع آليات واضحة لاستعادة الأموال المنهوبة أو تحميل الخسائر لمن استفادوا من السياسات المالية السابقة.

بحسب قراءات نقدية للقانون، فإن غياب خطة شاملة ومتكاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالتوازي مع قانون الانتظام المالي، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، لكن بصيغة قانونية هذه المرة، تُقنّن الخسائر بدل معالجتها جذريًا.

فالمعطيات تشير إلى أن أي معالجة حقيقية تتطلب ما هو أبعد من إطار قانوني عام، لتشمل محاسبة واضحة، واستقلالية قضائية، وتوزيعًا عادلًا للخسائر، يضع العبء الأكبر على الدولة والمصارف لا على المودعين.

من دون هذه العناصر، يبقى القانون أقرب إلى أداة لإدارة الانهيار لا للخروج منه، ويخاطر بتكريس نموذج اقتصادي مأزوم، يُرحّل الأزمة بدل حلّها، ويُبقي لبنان في دائرة الانهيار المفتوح.

مشهد مفتوح

في المحصلة، يكشف إقرار قانون الانتظام المالي عن مأزق بنيوي في إدارة الأزمة اللبنانية: تشريعات تُقدَّم كإصلاحات، لكنها تفتقر إلى الثقة والضمانات. وبينما ينتظر اللبنانيون استعادة ودائعهم، يبقى الخوف قائمًا من أن يتحول القانون إلى محطة جديدة في مسار طويل من تحميل الخسائر للفئات الأضعف، بدل معالجة جذور الانهيار المالي والسياسي.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

بين الإصلاح والشرعنة: هل يعالج قانون الانتظام المالي بلبنان أزمة الودائع أم يعقدها؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°