21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أرض الصومال: انفصال يُستثمر لإعادة رسم النفوذ من غزة إلى باب المندب

يحظى إقليم أرض الصومال بموقع جغرافي بالغ الحساسية في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، إذ يمتد على شريط ساحلي طويل يطل مباشرة على خليج عدن بمحاذاة مضيق باب المندب

بقلم: سماح عثمان
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
أرض الصومال

أرض الصومال

يحظى إقليم أرض الصومال بموقع جغرافي بالغ الحساسية في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، إذ يمتد على شريط ساحلي طويل يطل مباشرة على خليج عدن بمحاذاة مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا. وتكمن أهمية هذا المضيق في كونه شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا، فضلًا عن دوره المحوري في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعله ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية.

هذا الموقع منح الإقليم وزنًا جيوسياسيًا يفوق كثيرًا حجمه السياسي والديمغرافي، وحوّله إلى نقطة جذب متزايدة لمشاريع النفوذ العسكري واللوجستي والاستخباراتي، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها البحر الأحمر وشرقي إفريقيا، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية فاعلة مثل تركيا، والإمارات، وإيران، والكيان الإسرائيلي.

شرعية غائبة عن أرض الصومال

منذ إعلان انفصاله عن جمهورية الصومال عام 1991، يفتقر إقليم أرض الصومال لأي اعتراف دولي، وهو ما وضع قيادته أمام معضلة دائمة تتعلق بغياب الشرعية القانونية. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، حاول الإقليم تعويض هذا الغياب عبر تقديم نفسه ككيان “مستقر أمنيًا”، وقابل للدخول في شراكات وظيفية مع أطراف خارجية، بعيدًا عن إطار الدولة المعترف بها.

وقد تجلّى هذا التوجه في فتح الموانئ والمطارات أمام استثمارات عسكرية ولوجستية، وتسويق الإقليم كمنصة بديلة للنفوذ في منطقة تعاني هشاشة الدولة المركزية وتعدد الصراعات. غير أن هذا المسار حوّل أرض الصومال إلى بيئة مفتوحة أمام استثمارات خارجية عالية المخاطر، تقوم على منطق “المنفعة مقابل الحماية”، وتستند إلى استغلال الوضع القانوني الرمادي للإقليم، بما يسمح بتجاوز القيود التي يفرضها القانون الدولي عند التعامل مع الدول ذات السيادة.

 

مكاسب إسرائيلية من أرض الصومال

في هذا السياق، يوفّر تحوّل أرض الصومال إلى منصة نفوذ إسرائيلي محتملة جملة من المكاسب الاستراتيجية لتل أبيب. من أبرز هذه المكاسب تعزيز القدرات الاستخباراتية في جنوب البحر الأحمر، بما يتيح مراقبة اليمن، وخطوط الملاحة الدولية، وحركة الفاعلين الإقليميين في واحدة من أكثر الساحات البحرية توترًا.

كما يتيح هذا التمركز المساهمة في تأمين خطوط التجارة والطاقة المرتبطة بالمصالح الإسرائيلية والغربية، ضمن مقاربة أمنية بحرية تتجاوز حدود شرق المتوسط. وإلى جانب ذلك، يوفّر الوضع القانوني غير المعترف به للإقليم فرصة لإنشاء نقاط ارتكاز أمنية واستخباراتية خارج نطاق الرقابة الدولية الصارمة، مع توسيع مسرح العمل العسكري والاستخباري الإسرائيلي ليشمل القرن الإفريقي، بما يخفف الضغط عن الجبهة الفلسطينية المباشرة.

 

عقيدة الأطراف

لا يأتي هذا التوجّه الإسرائيلي بمعزل عن أدبيات الأمن القومي المؤسِّسة للكيان الإسرائيلي، بل ينسجم بوضوح مع ما عُرف تاريخيًا بـعقيدة المحيط أو “العمل من الأطراف”، التي وضع أسسها دافيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي. هذه العقيدة قامت على مبدأ الالتفاف على المحيط العربي المعادي عبر بناء تحالفات مع قوى غير عربية، أو كيانات هامشية، أو حركات انفصالية في أطراف الإقليم.

وقد عبّر بن غوريون صراحة عن هذا المنطق حين اعتبر أن كسر الطوق العربي لا يتم من الداخل، بل عبر إضعافه من أطرافه البعيدة. لاحقًا، تطوّر هذا المفهوم في كتابات وممارسات مؤسسات الأمن الإسرائيلية، ولا سيما وزارة الدفاع وجهاز الموساد، ليأخذ شكلًا أكثر مرونة يقوم على بناء علاقات أمنية غير معلنة، والاستثمار في البيئات الهشّة قانونيًا وسياسيًا، والعمل عبر وسطاء محليين أو كيانات غير معترف بها دوليًا.

إدارة الصراع

ضمن هذه المقاربة، تبحث إسرائيل عن أدوات غير تقليدية لتعويض الفشل الميداني والسياسي بغزة، من بينها ربط ملف غزة ببيئات إقليمية بعيدة جغرافيًا لكنها متصلة استراتيجيًا، مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي. كما تسعى إلى بناء بيئات مساعدة لسياسات العزل والاحتواء، تقلّص هوامش الحركة الإقليمية الداعمة للمقاومة الفلسطينية.

وفي هذا الإطار، لا يُفهم توظيف الانفصال الجغرافي – كما في حالة أرض الصومال – باعتباره مسارًا منفصلًا عن الحرب على غزة، بل جزءًا من إدارة متعددة الأبعاد للصراع، تهدف إلى نقل المواجهة من ساحة فلسطينية محصورة إلى فضاء إقليمي مفتوح، وإشغال الخصوم بساحات فرعية متداخلة، وإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بغزة بما يخدم السيطرة طويلة الأمد.

أهمية أرض الصومال لإسرائيل

يأتي التوجّه الإسرائيلي نحو الاعتراف بأرض الصومال ضمن رؤية استراتيجية أوسع تُدار بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وتهدف إلى إعادة توزيع النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. هذا التوجّه لا يقوم على تحالفات تقليدية، بقدر ما يعكس منطق التطويق غير المباشر عبر نشر نقاط نفوذ متقدمة على تخوم الخصوم الإقليميين.

في هذا السياق، يحقق الحضور الإسرائيلي المحتمل جملة من الأهداف المتداخلة، أبرزها ممارسة ضغط استراتيجي على اليمن، وتضييق نطاق الحركة أمام إيران، ولا سيما في ما يتصل بخطوط الدعم الإقليمي للمقاومة الفلسطينية، إضافة إلى تقليص هامش النفوذ التركي في القرن الإفريقي.

وتشير تطورات الإعلام الغربي والإقليمي، فضلًا عن مواقف عواصم معنية، إلى تنامي القلق المصري والخليجي والتركي من أي اختراق إسرائيلي مباشر أو غير مباشر لهذه المنطقة الحساسة، لما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر، ولمعادلات الاستقرار الإقليمي، ولمصالح دول يرتبط أمنها القومي بحرية الملاحة في هذه الساحة الحيوية.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال