الحرب الروسية الأوكرانية في يومها الـ 1406: استنزاف "دونيتسك" ومعضلة الدعم الغربي في شتاء 2025
يدخل الصراع الروسي الأوكراني يومه الـ 1406 وسط مشهد ميداني هو الأكثر تعقيداً منذ اندلاع العمليات العسكرية، حيث تتحول جبهات القتال في الشرق الأوكراني، وتحديداً في مقاطعة دونيتسك، إلى ساحة مفتوحة لاستراتيجيات "قضم الأرض" والإنهاك المتبادل، ومع اقترح عام 2026 على الأبواب.
لم تعد المعركة تقتصر على السيطرة الترابية فحسب، بل تمتد لتشمل صراع الإرادات السياسية في العواصم الغربية، والقدرة على الصمود الشعبي داخل أوكرانيا التي تواجه شتاءً قاسياً وتحديات ديموغرافية واقتصادية غير مسبوقة.
الوضع الميداني في دونيتسك: معركة الأمتار الأخيرة
تتصدر جبهة "باكروفسك" و"كوراخوفو" في إقليم دونيتسك المشهد العسكري في اليوم 1406، حيث تواصل القوات الروسية ضغوطها المكثفة لإطباق الحصار على مراكز اللوجستيك الأوكرانية الحيوية،
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الجيش الروسي اعتمد تكتيك "المجموعات الهجومية الصغيرة" المدعومة بكثافة نارية من الطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية المطورة، مما مكنه من تحقيق اختراقات في القرى المحيطة بمدينة باكروفسك الاستراتيجية.
على المقلب الآخر، تستميت القوات الأوكرانية في الدفاع عن خطوطها الخلفية، معتمدة على أنظمة "هيمارس" لضرب خطوط الإمداد الروسية واستهداف تجمعات القوات، ورغم الضغط المستمر، إلا أن الدفاع الأوكراني في مناطق مثل "تشاسيف يار" لا يزال يشكل عائقاً أمام الطموحات الروسية للسيطرة الكاملة على ما تبقى من إقليم دونباس، إن المعارك الحالية لا تقاس بالكيلومترات، بل بمدى القدرة على الاحتفاظ بالمواقع الاستراتيجية التي تمنح تفوقاً رصدياً ومدفعياً.
هل تشهد الجبهات تحولاً نوعياً؟
بالنظر إلى مسار الحرب في نهاية عام 2025، يرى المحللون العسكريون أننا نعيش حالة من "الجمود النشط"، فالتحولات لم تعد جغرافية كبرى كما حدث في بدايات الحرب، بل أصبحت تحولات "تكنولوجية وتنظيمية"، ويظهر ذلك في:
سلاح المسيّرات
الذي بات المحرك الأساسي للجبهة، حيث نجحت أوكرانيا في تعويض نقص القذائف المدفعية عبر "جيش المسيرات" الذي يستهدف العمق الروسي ومصافي النفط، محققة أضراراً اقتصادية ملموسة.
التفوق العددي الروسي
في مقابل الاستنزاف البشري الأوكراني، حيث تشير التقديرات إلى أن روسيا نجحت في تجنيد مئات الآلاف خلال عام 2025، مما منحها نفساً أطول في معارك الاستنزاف.
تغيير العقيدة القتالية
تحول الجيش الأوكراني نحو "الدفاع النشط"، وهو ما يعني التخلي عن مساحات غير استراتيجية مقابل إيقاع أكبر قدر من الخسائر في القوات المهاجمة.
الداخل الأوكراني: صمود تحت وطأة الاستنزاف
بعيداً عن أزيز الرصاص في الجبهات، يواجه الداخل الأوكراني تحديات وجودية، فالحرب التي تجاوزت 1400 يوم أهلكت البنية التحتية للطاقة، مما جعل الأوكرانيين يعيشون في ظل انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وتتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية مع ارتفاع أعداد الضحايا وتزايد قضايا التهرب من التجنيد، وهو ما أشارت إليه تقارير دولية مؤخراً، بالإضافة إلى ذلك، تعاني الميزانية الأوكرانية من عجز هائل يعتمد سده بالكامل على المساعدات الخارجية، مما يجعل الاستقرار الداخلي رهناً بالقرار السياسي في واشنطن وبروكسل.
معضلة الدعم الغربي: تقلبات السياسة وضمانات الأمن
يمثل ملف الدعم الغربي حجر الزاوية في استمرار المقاومة الأوكرانية، ومع تغير الإدارة الأمريكية وبداية عام 2026، تزايدت الأصوات المنادية بضرورة إيجاد مخرج تفاوضي للأزمة، ورغم استمرار الحلفاء الأوروبيين (مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا) في تقديم حزم مساعدات عسكرية واقتصادية، إلا أن هناك فجوة واضحة في القدرة على تعويض النقص الناتج عن تراجع الاندفاع الأمريكي في بعض الملفات.
تطالب كييف الآن بضمانات أمنية صلبة، قد تصل إلى المطالبة بنشر قوات غربية أو الحصول على جدول زمني واضح للانضمام للناتو، كشرط لأي اتفاق مستقبلي، وفي المقابل، تراهن موسكو على "تعب الغرب" وتآكل الإجماع الدولي حول دعم أوكرانيا، مما يجعل الشهور القادمة حاسمة في تحديد شكل التسوية النهائية.
قراءة تحليلية لمسار الحرب مستقبلاً
إن استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي يشير إلى أن الطرفين لم يصلا بعد إلى "نقطة الإنهاك المطلق" التي تجبرهما على الجلوس لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، ومن المتوقع أن يشهد عام 2026 تركيزاً أكبر على العمليات النوعية خلف الخطوط، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك الجوية والبرية، وسيبقى إقليم دونيتسك هو "الترمومتر" الذي يقيس مدى نجاح أي طرف في فرض إرادته الميدانية قبل الانتقال إلى المسار الدبلوماسي.
الحرب التي غيرت وجه أوروبا
في اليوم 1406، تظل الحرب الروسية الأوكرانية هي الأزمة الجيوسياسية الأعقد في القرن الحادي والعشرين، فبين طموحات الكرملين في إعادة رسم خارطة النفوذ، وإصرار كييف على استعادة سيادتها الكاملة، يظل المدنيون هم الحلقة الأضعف في صراع لا يبدو أن نهايته ستكون عسكرية بحتة، بل ستصاغ في أروقة السياسة الدولية بعيداً عن خنادق دونيتسك.










