بحسب تحليل للكاتب الإسرائيلي رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن الدافع الحقيقي والرئيسي الذي يقف خلف قرار الرئيس الأمريكي الحالي ترامب تنفيذ الهجوم غير المسبوق على فنزويلا لا ينفصل عن اعتبارات داخلية تتعلق بصورة ترامب أمام نفسه وأمام قاعدته الانتخابية. فالعملية، وفق الكاتب، جاءت كجزء من سعي ترامب لإثبات التزامه العملي عبر استعراض قوة صريح خارج الحدود، واختيار ساحة يراها سهلة ومضمونة النتائج.
يرى بن يشاي أن فنزويلا شكّلت هدفًا مثاليًا لهذا الاستعراض، في ظل ما يصفه بـ”تآكل الجيش الفنزويلي من الداخل”، واعتماده على معدات قديمة، ما جعله – بحسب الرواية الإسرائيلية – غير قادر على الصمود أمام آلة الحرب الأمريكية ومنظومتها الاستخباراتية المتفوقة. هذه القراءة، رغم طابعها الدعائي، تعكس ذهنية ترى الدول الضعيفة ساحات اختبار للقوة لا كيانات ذات سيادة.
فنزويلا وعودة مبدأ مونرو
يشير بن يشاي إلى أن ترامب، من خلال قراره، لم يكتفِ بتطبيق مبدأ مونرو فعليًا، بل أعاد إحياءه سياسيًا وإعلاميًا، حين صرّح علنًا خلال مؤتمر صحفي خاص بأن نصف الكرة الغربي يُعد مجال نفوذ أمريكيًا. هذا المبدأ، الذي صاغه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، كان الغطاء الأيديولوجي التاريخي لتدخلات واشنطن في أمريكا اللاتينية على مدى قرنين.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2024، يقود سياسة خارجية تركز بوضوح على توسيع النفوذ الأمريكي في “الساحة الخلفية” للولايات المتحدة، أي دول أمريكا اللاتينية، في إعادة إنتاج صريحة لمنطق الهيمنة التقليدية، ولكن بلغة “الردع” و”فرض النظام”.
النفط قبل الديمقراطية
إلى جانب الاعتبارات السياسية، يضع بن يشاي المصالح الاقتصادية في صلب القرار الأمريكي، مؤكدًا أن ترامب يسعى إلى السيطرة المباشرة على منشآت إنتاج النفط الفنزويلي. ففنزويلا تمتلك، بحسب التقديرات، أكبر احتياطي نفطي في العالم، يشكل نحو 18% من إجمالي الاحتياطات العالمية، وهو رقم هائل يجعلها هدفًا استراتيجيًا لأي قوة كبرى.
ووفق التحليل ذاته، فإن هذا “النصيب الضخم” من النفط ستؤول إدارته إلى شركات أمريكية، يتولى ممثلوها الإشراف المباشر على الإنتاج والتصدير، في نموذج يعيد إلى الأذهان أشكال السيطرة الاقتصادية التي رافقت التدخلات العسكرية الأمريكية في القرن العشرين، وإن جرى تسويقها اليوم بواجهات قانونية وإدارية مختلفة.
كبح الصين
بعد آخر لا يقل أهمية في حسابات ترامب، يتمثل في الصين. فبن يشاي يؤكد أن أحد أهداف العملية هو منع بكين من الاستمرار في الحصول على النفط الفنزويلي بأسعار منخفضة، وهو النفط الذي كانت الصين تتلقاه مقابل سداد ديون ضخمة قدّمتها لكراكاس على شكل قروض بمليارات الدولارات.
هذه القروض، بحسب الكاتب، كانت أحد العوامل التي أبقت الاقتصاد الفنزويلي المنهار قائمًا، في ظل سياسة انتهجها مادورو، كما سلفه، تقوم على معاداة الولايات المتحدة والتحالف مع خصومها الرئيسيين: روسيا، الصين، وإيران. ومن هذا المنظور، فإن العملية الأمريكية لا تستهدف فنزويلا وحدها، بل تُعد حلقة في الصراع العالمي الأوسع مع الصين.
إدارة بالقوة
من أكثر النقاط إثارة للقلق، كما يلفت بن يشاي، إعلان ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا بشكل مؤقت إلى حين قيام نظام ينسجم مع توجهاته السياسية. وحتى الآن، لا يوجد وضوح حول شكل هذه الإدارة: هل ستكون حكمًا عسكريًا مباشرًا، أم واجهة مدنية من شخصيات فنزويلية “موثوقة” سبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA أن حددتها وأعدتها لهذا الدور.
هذا الغموض لا يقل خطورة عن التدخل نفسه، إذ يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الوصاية الفعلية، مهما اختلفت تسمياتها، ويؤكد أن الحديث عن “مرحلة انتقالية” ليس سوى غطاء سياسي لإعادة هندسة السلطة بالقوة.
عدوى دولية
يحذر بن يشاي من أن خطوة ترامب قد تحمل تداعيات سلبية خارج أمريكا اللاتينية، خصوصًا في شرق آسيا. فالصين، بحسب تقديره، قد ترى في السلوك الأمريكي نموذجًا يمكن تقليده، وتفكر في مهاجمة تايوان، التي لا تعتبرها مجرد منطقة نفوذ، بل جزءًا لا يتجزأ من أراضيها.
بهذا المعنى، لا تبدو العملية في كاراكاس حدثًا معزولًا، بل سابقة قد تُستخدم لتبرير كسر المحظورات الدولية في مناطق أخرى من العالم، تحت ذرائع النفوذ والأمن القومي.
ضربة لروسيا
يصف بن يشاي ما جرى بأنه ضربة قاسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ كانت روسيا حليفًا رئيسيًا لفنزويلا، وكان يُفترض بها توفير مظلة حماية أمنية وعسكرية لها. فقد تولى خبراء روس، بحسب التحليل، مسؤولية منظومات الأمن والدفاع الجوي الفنزويلية، التي انهارت تقريبًا من دون قتال أمام الجيش الأمريكي.
وفي هذا السياق، يستحضر الكاتب مقارنة لافتة: ففي أواخر فبراير 2022، حين غزا بوتين أوكرانيا، حاول تنفيذ سيناريو شبيه عبر استهداف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أي شلّ رأس الدولة بسرعة. ويخلص بن يشاي إلى أن ما جرى في فنزويلا يبرز هشاشة النظام الروسي ودونية أجهزته الأمنية مقارنة بنظيرتها الأمريكية، وفق الرؤية الإسرائيلية.
زاوية إسرائيلية
أما فيما يتعلق بإسرائيل، فيؤكد بن يشاي أنه لا توجد تداعيات فورية ومباشرة على وضعها الأمني أو الدولي. لكنه يشدد على أن تعزيز الردع الأمريكي عالميًا يصب في مصلحة إسرائيل بشكل غير مباشر، في قراءة تعكس الترابط البنيوي بين السياسات الأمريكية والاعتبارات الإسرائيلية في المنطقة والعالم.
هذه الخلاصة، الصادرة عن كاتب مقرب من دوائر القرار في تل أبيب، تكشف بوضوح كيف تُقرأ التدخلات الأمريكية لا من زاوية القانون الدولي أو سيادة الدول، بل من منظور ميزان القوة وخدمة الحلفاء، حتى لو كان الثمن تدمير دولة كاملة ووضعها تحت وصاية مفتوحة.









