رغم الإعلان عن تفاهمات تهدئة ووقف لإطلاق النار في غزة، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفها المكثف على مناطق متفرقة من قطاع غزة، لا سيما خانيونس جنوبًا وجباليا شمالًا، مع تسجيل عمليات نسف ممنهجة لمبانٍ سكنية وبنى تحتية، في مشهد يعكس خرقًا متواصلًا وعلنيًا لأي التزامات ميدانية سابقة. هذا القصف لم يأتِ في سياق ردٍّ فوري على تطورات عسكرية طارئة، بل بدا كجزء من نمط ثابت يعكس قرارًا سياسيًا–عسكريًا باستدامة الضغط الناري.
ميدانيًا، تركزت الضربات على أحياء مكتظة بالسكان سبق أن تعرضت لدمار واسع منذ أكتوبر 2023، ما فاقم الكارثة الإنسانية وأعاد آلاف العائلات إلى دائرة النزوح القسري. وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات أممية، فإن هذه الهجمات أدت إلى تدمير ما تبقى من مقومات الحياة في مناطق صنفت سابقًا على أنها “آمنة”، وهو توصيف أثبت مرارًا زيف الرواية الإسرائيلية حول الالتزام بحماية المدنيين.
أهداف عسكرية بقطاع غزة
عسكريًا، لا يمكن فصل استمرار القصف عن محاولة الاحتلال فرض معادلة ردع جديدة بعد فشله في تحقيق أهدافه المعلنة خلال الحرب الواسعة. فاستمرار الضربات، رغم التهدئة، يخدم هدف استنزاف القدرات البشرية والمادية للمقاومة، ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها أو ترميم بنيتها العسكرية. كما يسعى الاحتلال إلى إبقاء الجبهة الجنوبية في حالة اشتعال منخفض الوتيرة، تتيح له استخدام القوة دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة.
في الوقت ذاته، يعكس هذا السلوك مأزقًا عسكريًا عميقًا، إذ لم تنجح العمليات البرية ولا الجوية في القضاء على بنية المقاومة، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى اعتماد سياسة “القضم التدريجي” عبر القصف المتكرر والنسف، في محاولة لتعويض إخفاقات ميدانية سابقة. هذا النهج، وفق محللين عسكريين، يهدف أيضًا إلى اختبار حدود صبر الفصائل الفلسطينية، ودفعها نحو ردٍّ قد يبرر تصعيدًا أوسع.
الضغوط الدولية وحدودها
على الصعيد الدولي، يتقاطع التصعيد الميداني مع ضغوط متزايدة تمارسها أطراف غربية، في مقدمتها أمريكا، لإدارة الصراع في غزة لا إنهائه. فرغم الخطاب العلني الداعي إلى ضبط النفس، تواصل واشنطن تقديم دعم عسكري وسياسي مباشر للاحتلال، ما يفرغ أي دعوات للتهدئة من مضمونها. وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن الإدارة الحالية تفضل “الاحتواء العسكري” بدل فرض وقف حقيقي لإطلاق النار، خشية انعكاس ذلك على توازنات إقليمية أوسع.
في المقابل، تبدو الضغوط الأوروبية أكثر حدة على المستوى الخطابي، لكنها تفتقر إلى أدوات إلزامية، ما يسمح للاحتلال بمواصلة عملياته بقطاع غزة دون كلفة سياسية حقيقية. هذا التناقض الدولي يخلق هامش حركة واسعًا لإسرائيل، ويحول التهدئة إلى مجرد إطار هش قابل للانهيار في أي لحظة.
المسار السياسي المأزوم بقطاع غزة
ربط التطورات الميدانية بالمسار السياسي يكشف عن حقيقة أساسية: لا يوجد مسار سياسي فعلي بقدر ما توجد إدارة للأزمة. فالقصف المستمر يعكس غياب أي رؤية دولية جادة لمعالجة جذور الصراع، والاكتفاء بتسكين مؤقت لا يوقف المجازر ولا يضع حدًا للاحتلال. ومنذ أكتوبر 2023، تتكرر ذات المعادلة: تهدئة هشة، يتبعها خرق إسرائيلي، ثم تحميل الضحية مسؤولية الانفجار.
في هذا السياق، تتحول غزة إلى ساحة ضغط مفتوحة، يُستخدم فيها المدنيون كورقة ابتزاز سياسي، في ظل صمت دولي وعجز أممي. ومع استمرار القصف ونسف المباني، تتآكل فرص أي تسوية حقيقية، ويتأكد أن ما يجري ليس مجرد تجاوزات ميدانية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة، تحت غطاء دولي مكشوف.










