تعد عودة نوري المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي، ليس فقط بسبب تاريخه السياسي الثقيل، بل بسبب ما تركته ولايتاه السابقتان “2006–2014” من إرث أمني واقتصادي واجتماعي بالغ التعقيد.

ميزان القوى داخل العراق وخارجه
وفي حديث خاص لموقع 180 تحقيقات، قال أ.د عبدالرزاق محمد الدليمي، المحلل السياسي العراقي وعميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، إن “ميزان القوى داخل العراق وخارجه لا يعمل لصالح عودة المالكي، بل إن البيئة السياسية الحالية تميل بوضوح إلى التهدئة وتجنب الاستقطاب الحاد الذي تمثله شخصيته السياسية”.
المالكي والتوازنات الإقليمية… هل الضوء أخضر؟
وأشار الدليمي في حديثه إلى أن التوازنات الإقليمية والدولية تمثل “الترمومتر الحقيقي” لقياس فرص أي شخصية عراقية في الوصول إلى منصب رئاسة الوزراء، وبالنسبة لنوري المالكي، تبدو الصورة شديدة التعقيد.
فعلى مستوى الموقف الإيراني، لا يزال المالكي يُعد حليفًا استراتيجيًا لطهران وصمام أمان لمصالحها داخل العراق، إلا أن إيران ، بحسب الدليمي ،تعطي اليوم أولوية قصوى لاستقرار “البيت الشيعي”، وتدرك أن فرض المالكي مجددًا قد يشعل صراعًا دمويًا مع التيار الصدري، لذلك قد تميل طهران إلى دعم شخصية “تسوية” مثل محمد شياع السوداني أو حيدر العبادي، بما يضمن مصالحها دون استفزاز الخصوم.
أما الولايات المتحدة، فلا يزال “الفيتو الضمني” حاضرًا بقوة، فواشنطن، وفق الدليمي، تحمل المالكي مسؤولية الانهيار الأمني الكبير عام 2014 وصعود تنظيم داعش، وترى فيه شخصية قريبة جدًا من المحور الإيراني الراديكالي، وعودته قد تعني توترًا حادًا في العلاقات العراقية–الأمريكية وربما الذهاب نحو العزلة أو العقوبات.
وفي ما يتعلق بـالمحيط العربي، فإن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، بدأت خلال عهد الكاظمي واستمر ذلك في عهد السوداني ببناء علاقات متقدمة مع بغداد، لكن عودة المالكي بخطابه الذي يُنظر إليه عربيًا على أنه “طائفي” أو “إقصائي” قد تعيد العلاقات إلى مربع التوجس والقطيعة.
ويخلص الدليمي إلى أن الأوضاع الإقليمية الراهنة تميل لدعم الاستقرار لا الاستقطاب، والمالكي يمثل ذروة الاستقطاب السياسي.

نوري المالكي
المالكي وقيادة الإطار التنسيقي… هل يفك عقدة الرئاسة؟
لا ينكر الدليمي أن المالكي نجح في لعب دور محوري في لملمة القوى الشيعية تحت مظلة “الإطار التنسيقي”، وتمكن بدهاء سياسي ودعم إيراني من تحويل الهزيمة الانتخابية إلى انتصار سياسي عبر تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، لكن عودته الشخصية تصطدم بعقبات داخلية عميقة.
أبرز هذه العقبات هو طموح الحلفاء داخل الإطار نفسه، فالإطار، بحسب الدليمي، ليس كتلة متجانسة، بل يضم قوى وشخصيات لكل منها حساباتها ومصالحها، مثل قيس الخزعلي وهادي العامري وعمار الحكيم، هؤلاء يفضلون غالبًا بقاء السوداني لأنه يمنحهم مساحة واسعة للمناورة وتحقيق المكاسب، ولا يرغبون في العودة إلى “زمن الرجل الواحد” الذي ارتبط باسم المالكي.
العقبة الثانية تتمثل في رهان المالكي على فشل السوداني، فإذا نجح رئيس الوزراء الحالي في كسب ود قوى الإطار وضمان مصالحهم، سيكون من الصعب جدًا إزاحته دون مبرر قوي، خاصة أنه يتمتع بقبول إقليمي ودولي أفضل بكثير من المالكي.
أما العقدة الأكبر فهي مقتدى الصدر، فالدليمي يؤكد أن المالكي يمثل “الخط الأحمر الثابت” لدى الصدر، وأن الصراع بينهما وصل في مراحل سابقة إلى حافة الاقتتال، وأي محاولة رسمية لترشيح المالكي قد تعني عودة أنصار الصدر إلى الشارع وربما اقتحام المنطقة الخضراء مجددًا، وهو سيناريو لا يرغب به أي طرف من أطراف السلطة الحالية.
العودة الممكنة أم المستحيلة؟
يرى الدليمي وفق ما قاله في حديثه لـ"180 تحقيقات" أن السياسة العراقية لا تعترف بالمستحيل المطلق، لكن عودة المالكي تقع في خانة “الصعب جدًا” إن لم تكن “شبه المستحيلة”، ويمكن قراءة المشهد عبر سيناريوهين: السيناريو الأول هو العودة الممكنة، وهو مشروط بفشل ذريع للحكومة الحالية وحدوث فوضى أمنية كبيرة، وفي هذه الحالة، قد يقدم المالكي نفسه مجددًا بوصفه “رجل الدولة القوي القادر على ضبط الأمن”، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية بناها خلال سنوات حكمه عبر توظيف أعداد هائلة في أجهزة الدولة، يشكلون اليوم جمهورًا منضبطًا ومواليًا له انتخابيًا .
والسيناريو الثاني هو العودة المستحيلة وهو الأرجح، بسبب وجود فيتو ديني وشعبي غير معلن، واستمرار تأثير قاعدة “المجرب لا يُجرب” التي رفعتها مرجعية النجف بعد التجارب المريرة، إضافة إلى ذلك، فإن الجيل الجديد الذي تشكل وعيه بعد احتجاجات تشرين 2019 بات يرفض بشكل واسع إعادة تدوير الوجوه التي حكمت منذ 2003، ويضع المالكي في مقدمة رموز تلك المرحلة.

نوري المالكي
ويضاف إلى ذلك أن المالكي، رغم تغلغله العميق في مؤسسات الدولة، يجد صعوبة في بناء تحالفات متينة مع القوى الكردية والسنية بسبب تراكمات الصدام وانعدام الثقة.
يخلص الدليمي إلى أن نوري المالكي لا يزال يرى نفسه “صانع ملوك” داخل الإطار التنسيقي، ويمتلك قدرة واضحة على التعطيل والتمكين، لكنه في المقابل خسر معظم أوراق القبول الوطني والإقليمي والدولي، لذلك فإن معركته الحقيقية اليوم ليست من أجل الكرسي بقدر ما هي من أجل الحفاظ على النفوذ وضمان الإرث السياسي عبر رجاله.
ويؤكد أن حلم “الولاية الثالثة” يصطدم بواقع عراقي يميل إلى التهدئة وتأجيل الصدامات الكبرى، وهو واقع لا يخدم شخصية بتاريخ وتصنيف المالكي الصدامي، ما يجعل عودته إلى رئاسة الوزراء أقرب إلى الاستحالة السياسية منها إلى الاحتمال الواقعي.









