21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فنزويلا نموذجا.. كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟.. لازال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتعمد الهروب من مشكلاته الداخلية وأزماته وتصديرها إلى الخارج عبر التصعيد الاقتصادي والأمني،  كما أنه يوطف ملفي المهاجرين وحرب إيران وروسيا كأدوات لاحتواء الضغط السياسي والاجتماعي في الداخل الأمريكي.

بقلم: محمد أبو غالي
١٢ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟.. لازال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتعمد الهروب من مشكلاته الداخلية وأزماته وتصديرها إلى الخارج عبر التصعيد الاقتصادي والأمني،  كما أنه يوطف ملفي المهاجرين وحرب إيران وروسيا كأدوات لاحتواء الضغط السياسي والاجتماعي في الداخل الأمريكي.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

ورغم وعود ترامب للداخل الأمريكي، إلا أن واشنطن تمر اليوم بأكبر اختبار داخلي منذ سنوات، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة فرضت نفسها على أجندة الإدارة، في حين اتّسع هامش التحرّك الأمريكي خارج الحدود عبر سياسات اقتصادية ضاغطة ومواجهات سياسية ودبلوماسية وهو ما برره ترامب للداخل الأمريكي على أنه خطوات حاسمة لمعالجة الأزمات.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

السنة المالية المنصرمة، تجاوز دين الولايات المتحدة الأمريكية 38 تريليون دولار ليسجل بذلك أعلى مستوى له على الإطلاق وفق بيانات الخزانة الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى رفع كلفة خدمة الدين إلى مستويات خانقة لذا اتجه ترامب إلى توسيع نطاق الرسوم الجمركية، باعتبارها أداة مباشرة لزيادة الإيرادات، مع بحث فرض تعرفة لا تقل عن 80% على معظم الواردات، وارتفعت الحصيلة بالفعل لتصل إلى 151 مليار دولار في النصف الثاني من السنة المالية 2025، بزيادة تقارب 300% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

وبقيت هذه الزيادة محدودةً، في حين حذّرت تقديرات اقتصادية من أنّ توسيع الرسوم أسهم في زيادة كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية بآلاف الدولارات سنوياً.

وروجت الإدارة للاستثمارات الداخلية بوصفها الوجه الآخر لهذه السياسات، مع التركيز على إعادة توطين الصناعات وجذب الرساميل وتحفيز الإنتاج المحلي. غير أنّ هذه الوعود اصطدمت بتحديات بنيوية، أبرزها ارتفاع كلفة الاقتراض، وتقلّب الأسواق، وعدم اليقين التجاري الناتج عن المواجهات الجمركية نفسها.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

استخدم ترامب الرسوم الجمركية، كأداة للحرب ضد الصين وفقا لمنطق الحروب التجارية، وهو ما استعدى الاتحاد الأوروبي الذي لوح بإجراءات مضادّة وباللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، فيما اتهمت الصين واشنطن بتسييس التجارة وردّت بخيارات انتقامية، كما عبّر حلفاء تقليديون للولايات المتحدة، مثل كندا واليابان وكوريا الجنوبية، عن قلقهم من ارتدادات التصعيد على الاستثمار والاستقرار الاقتصادي العالمي.

وصدرت إدارة ترامب، هذا الأمر إلى الداخل الأمريكي على أنه دليلاً على فاعلية السياسة المتّبعة، وأنّ واشنطن باتت "تفرض شروطها" على شركائها.

ولذا تحوّلت التوترات التجارية إلى رسالة سياسية موجّهة إلى الداخل، قُدّمت باعتبارها دفاعاً عن السيادة الاقتصادية والوظائف الأميركية، أكثر منها خياراً مالياً محدود الأثر.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

كما أن الإغلاق الحكومي الذي شهدته الولايات المتحدة عام 2025، يعُدّ الأطول في تاريخ البلاد، بعدما أدّى تعثّر إقرار الموازنة إلى شللٍ واسعٍ في عمل المؤسسات الفيدرالية. وقد عطّل الإغلاق خدماتٍ عامةً أساسيةً، وأوقف رواتب مئات آلاف الموظفين، وترك آثاراً مباشرةً على النمو الاقتصادي وثقة الأسواق، عاكساً عمق الانقسام السياسي الداخلي، في وقتٍ كانت فيه الخزينة الأميركية أصلاً تحت ضغط الدين والعجز.

كما تم التعامل مع ملف الهجرة بطريقة أمنية في المقام الأول عبر تشديد القيود على الدخول ومنع تدفّق المهاجرين من الأساس، بما نقل المشكلة من حيزها الداخلي إلى إدارة حدودية وخارجية، على نحو يخفف انعكاساتها السياسية في الداخل، وأسهمت حوادث أمنية محدودة في ترسيخ هذا التوجّه، إذ استُثمرت وقائع فردية لتكريس الربط بين الهجرة والأمن، وتوسيع القبول الشعبي بإجراءات أكثر صرامة.

هذا الاستخدام السياسي للأحداث الأمنية عزّز سردية ترى في بعض شرائح المهاجرين مصدر تهديد محتمل، من دون التمييز بين الحالات الفردية والظواهر العامة.

أيضا برزت فنزويلا بوصفها أحد العناوين المركزية في سياسة "تصدير الأزمات" الأمريكية، وجرى تقديم كاراكاس في خطاب الإدارة كمصدر تهديد مباشر للأمن القومي، عبر اتهامها بالضلوع في شبكات تهريب المخدرات والجريمة العابرة للحدود، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير تصعيد سياسي وعسكري متزايد.

كيف صدر ترامب أزماته الداخلية إلى الخارج؟

وترجم هذا التصعيد بحشد عسكري واسع في البحر الكاريبي، شمل انتشاراً بحرياً مكثفاً وعمليات اعتراض وضرب لقوارب قيل إنّها مرتبطة بتهريب المخدرات، إضافة إلى تلويحات بخيارات عسكرية أوسع. وقد قُدِّم هذا الحضور العسكري للرأي العام الأميركي بوصفه إجراءً دفاعياً لحماية الأمن القومي، فيما حمل في جوهره أبعاداً سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر.

وبالتوازي، لم تُخفِ الإدارة الأميركية نزعتها إلى تغيير النظام في كاراكاس، سواء عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، أو دعم مسارات العزل السياسي، أو التلويح بإجراءات قسرية، ما جعل فنزويلا تتحوّل إلى ساحة تُسقَط عليها اختلالات الداخل الأميركي. وبهذا المعنى، أُعيد تأطير أزمات الهجرة والمخدرات والاضطراب الاجتماعي بوصفها نتاج تهديدات خارجية، لا نتيجة أزمات داخلية مزمنة.

في المحصّلة، تعكس هذه المقاربة انسجاماً واضحاً بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية للإدارة الأميركية، يقوم على نقل ثقل الأزمات من الداخل إلى الخارج، وإدارتها عبر أدوات أمنية وتصعيدية. وبينما أسهم هذا النهج في إعادة تشكيل الخطاب السياسي والأمني، بقيت الأزمات الاجتماعية البنيوية داخل الولايات المتحدة قائمة، من دون معالجة شاملة أو حلول مستدامة.

 

 

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال