في خطوة لم يشهدها التاريخ الأميركي الحديث، شن الرئيس دونالد ترمب هجومًا علنيًا على مصنعي الأسلحة في الولايات المتحدة، متهمًا إياهم بـ"وضع الأرباح فوق الأمن القومي"، وتأخير تسليم المعدات العسكرية الحيوية للقوات الأميركية وحلفائها، جاء ذلك عبر توقيعه، في 7 يناير الجاري، أمرًا تنفيذياً استثنائيًا يفرض ضوابط على ما تعتبره الإدارة "مكافآت مبالغ فيها" للمساهمين في شركات الدفاع الكبرى، مع تهديد واضح بإمكانية فقدان العقود الحكومية للشركات التي لا تلتزم بتحسين سرعة الإنتاج وكفاءة التسليم.
عقود تحت المراقبة والتهديد بالعقوبات
يحمل الأمر التنفيذي عنوان "إعطاء الأولوية للمقاتل في التعاقدات الدفاعية"، ويضع خطة صارمة لمحاسبة المتعاقدين العسكريين، حيث وجّه ترمب رسائل حادة، مؤكدًا أن الشركات التي تستثمر في إعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح على المساهمين، بدل توسيع المصانع وزيادة القدرة الإنتاجية، "تضع الأمن القومي في خطر".
وتسمح التوجيهات الجديدة للبنتاجون بتحديد أي متعهد لا يفي بالتزاماته، وإجباره على وقف إعادة شراء الأسهم أو دفع المكافآت، مع إعادة صياغة حوافز الإدارة العليا لتكريم الالتزام بمواعيد التسليم وجودة الأداء.
ترمب بين "العصا والجزرة"
إلى جانب التهديدات الصارمة، يلوّح ترمب بإغراءات مالية ضخمة، معلنًا عن رغبته في رفع ميزانية الدفاع الأميركية إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، أي بزيادة تقارب 50% مقارنة بالمستوى الحالي. وقد لخص أحد المستثمرين رسالة ترمب بالقول: "سيكون هناك الكثير من المال على الطاولة، لكن فقط للشركات التي تُنتج وتُسلّم السلاح في موعده". ومع ذلك، فقد خصّ الرئيس شركة "رايثيون تكنولوجيز" بهجوم مباشر، واصفًا إياها بالأبطأ في زيادة الطاقة الإنتاجية، والأكثر توجيهًا للأرباح نحو المساهمين بدل تلبية احتياجات الجيش الأميركي.
تكلفة السلاح وبطء الإنتاج
لم تأت مواجهة ترمب مع شركات الدفاع من فراغ، إذ تتكرر شكاوى منذ سنوات بشأن تقديم كبار المتعاقدين أرباح المستثمرين على حساب احتياجات الجيش. وانتقد وزير الجيش الأميركي دان دريسكول في نوفمبر الماضي ممارسات الشركات، مؤكّدًا أنها "خدعت المؤسسة العسكرية" عبر بيع معدات بأسعار مبالغ فيها رغم توفر بدائل أرخص. ومع تصاعد الطلب العالمي على الأسلحة بسبب الحروب والتوترات الجيوسياسية، باتت كلفة السلاح وبطء وتيرة الإنتاج تحت مجهر التدقيق.
نفوذ المجمع الصناعي العسكري الأميركي
تظل شركات السلاح الكبرى في الولايات المتحدة جزءًا من شبكة نفوذ مترابطة تُعرف بالمجمع الصناعي العسكري، كما حذر الرئيس دوايت أيزنهاور عام 1961. حجم الأموال المخصص لهذه الصناعة هائل، إذ خصصت وزارة الدفاع نحو 415 مليار دولار للتعاقدات الفيدرالية في السنة المالية 2022، بينما تستحوذ "الخمسة الكبار" عادة على الحصة الأكبر من العقود: لوكهيد مارتن، RTX (المالكة لرايثيون)، نورثروب جرومان، جنرال دايناميكس، وبوينج. وبالإضافة إلى الأموال، يمتد النفوذ سياسيًا ومحليًا، إذ ترتبط العقود والرواتب والوظائف بسلاسل توريد وخدمات تمس كل دائرة انتخابية، ما يجعل أي صدام مع الشركات حساسًا جدًا.
في مواجهة هذا التصعيد، لجأت الشركات إلى فرق قانونية لتحليل حدود ما يمكن تطبيقه قانونيًا من إجراءات جديدة، خصوصًا فيما يتعلق بأرباح كبار التنفيذيين وعقود وزارة الدفاع. وبينما أعلنت بعض الشركات مثل لوكهيد مارتن وL3Harris استعدادها لزيادة الاستثمار وتوسيع الإنتاج، اختارت شركات أخرى مثل RTX، وجنرال دايناميكس، ونورثروب جرومان، وبوينج الالتزام بالصمت لتفادي المواجهة المباشرة مع الرئيس ترمب.
"الخمسة الكبار" وأرقامهم القياسية في صناعة السلاح
لوكهيد مارتن Lockheed Martin
إيرادات السلاح (2024): 64.6 مليار دولار
إجمالي الإيرادات: 71.0 مليار دولار
حصة النشاط العسكري: 91%
صافي الربح: 5.34 مليار دولار
الطلبات المتراكمة: 176 مليار دولار
تخصص: مقاتلات F-35، صواريخ وأنظمة دفاع، برامج فضاء عسكرية
رايثون تكنولجيز Raytheon Technologies
إيرادات السلاح (2024): 43.6 مليار دولار
إجمالي الإيرادات: 80.7 مليار دولار
حصة النشاط العسكري: 54%
صافي الربح: 4.77 مليار دولار
تخصص: صواريخ ودفاع جوي، رادارات، أنظمة عسكرية، أعمال طيران مدني
نورثروب جرومان Northrop Grumman
إيرادات السلاح (2024): 37.9 مليار دولار
إجمالي الإيرادات: 41.0 مليار دولار
حصة النشاط العسكري: 92%
صافي الربح: 4.17 مليار دولار
تخصص: أنظمة استراتيجية وفضائية، شبكات قيادة وتحكم
جنرال دايناميكس General Dynamics
إيرادات السلاح (2024): 33.6 مليار دولار
إجمالي الإيرادات: 47.7 مليار دولار
حصة النشاط العسكري: 70%
صافي الربح: 3.82 مليار دولار
الطلبات المتراكمة: 90.6 مليار دولار
تخصص: غواصات، برامج بحرية ثقيلة، مدرعات، أنظمة برية، اتصالات وتقنيات دفاعية
بوينج Boeing
إيرادات السلاح (2024): 30.6 مليار دولار
إجمالي الإيرادات: 66.5 مليار دولار
حصة النشاط العسكري: 46%
صافي الربح: خسارة 11.83 مليار دولار
قطاع الدفاع والفضاء والأمن BDS: إيرادات 23.9 مليار دولار، خسارة تشغيلية 5.4 مليار دولار، طلبات متراكمة 64 مليار دولار
تخصص: طائرات عسكرية، برامج فضاء ودفاع، لاعب ضخم في الطيران المدني
سياسة البيت الأبيض
تُظهر هذه الخطوة النادرة للرئيس ترمب تحوّلًا واضحًا في سياسة البيت الأبيض تجاه قطاع الدفاع، مزيجًا بين الضغط القانوني والمالي والإغراءات بميزانية ضخمة، في محاولة لإعادة ترتيب أولويات الإنتاج بما يخدم الأمن القومي.
ويبرز في هذا السياق كيف أن "الخمسة الكبار" ليست مجرد شركات بل عناصر قوة سياسية واقتصادية تمتد في عروق النظام الأميركي، ما يجعل أي مواجهة معها خطوة تاريخية محفوفة بالمخاطر القانونية والسياسية.
وبينما يحذر ترمب من استمرار السياسات السابقة، فإن القطاع نفسه يحاول التوازن بين الحذر القانوني والحفاظ على صورة عامة إيجابية، وسط ضغوط متصاعدة لتسريع وتيرة إنتاج الأسلحة وتلبية احتياجات الجيش الأميركي وحلفائه.









