في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود شبح المواجهة الأمريكية – الإيرانية إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة كليًا عمّا عرفته المنطقة في العقود السابقة.
الباحث السياسي فراس إلياس يقدّم قراءة معمّقة لطبيعة التفكير داخل إدارة ترامب بشأن شكل الضربة العسكرية المحتملة ضد إيران، وهي قراءة تكشف أن واشنطن لا تبحث عن حرب تقليدية، بل عن حرب هجينة مركّبة، قصيرة، منخفضة الكلفة، وعالية التأثير السياسي والنفسي.
لماذا إيران حالة مختلفة؟

ووفق إلياس، تدرك إدارة ترامب أن إيران ليست دولة يمكن التعامل معها بمنطق الضربة السريعة أو الحرب الخاطفةـ فهي دولة تمتلك شبكة نفوذ إقليمي، وقدرات ردع غير تقليدية، وأذرعًا عسكرية واستخبارية قادرة على توسيع رقعة المواجهة خارج حدودها، والأخطر من ذلك، أن أي فشل في ردع إيران قد يتحول إلى هزيمة سياسية لترامب نفسه داخليًا وخارجيًا.
لهذا السبب، فإن واشنطن وفق هذا التصور لا تفكّر في إسقاط النظام بالقوة العسكرية المباشرة، ولا في احتلال، ولا في حرب طويلة مفتوحة، بل تبحث عن نموذج ضربة ذكية تُربك النظام من الداخل وتُضعف قدرته على السيطرة دون أن تجرّ المنطقة إلى انفجار شامل.
لا حرب شاملة… بل تفكيك بطيء
النقطة الأولى التي يركز عليها إلياس هي أن الإدارة الأمريكية تعرف مسبقًا استحالة خوض حرب مباشرة طويلة مع إيران، فالكلفة العسكرية والسياسية والإقليمية ستكون باهظة وغير مضمونة النتائج، لذلك، السيناريو المرجّح هو تفكيك داخلي منخفض الوتيرة بدل المواجهة المفتوحة.
هذا يعني أننا أمام نموذج مختلف من الحروب ليس غزوًا، ولا حملة برية، بل ضغط مركّب ومتدرّج يستخدم أدوات متعددة تبدأ من الفضاء السيبراني ولا تنتهي عند الطائرات.
وتشير القراءة إلى أن الهجوم الأمريكي إذا وقع سيكون على عدة مراحل هجوم سيبراني واسع لتعطيل أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والبنية التحتية الحساسة وضربات دقيقة للبنية الأمنية والعسكرية والاستخبارية الإيرانية واحتمال تدخل قاذفات استراتيجية لتوجيه رسائل ردع نفسية وعسكرية في آن واحد، والهدف هنا ليس تدمير الدولة، بل إرباك النظام وخلق انطباع بفقدان السيطرة، وضرب الثقة داخل أجهزة الحكم نفسها.

ليس إسقاط النظام… بل كسر الردع
ويؤكد إلياس أن هذه الضربات لا تستهدف إسقاط الدولة الإيرانية، بل كسر الردع النفسي والسياسي وفتح “نافذة فوضى محسوبة” يمكن البناء عليها لاحقًا، أي أن واشنطن تريد أن تقول للنظام: أنت قابل للاختراق، وأمنك الداخلي ليس مضمونًا.
وهنا ننتقل إلى المرحلة الأخطر ففي المراحل التالية، قد تعوّل الإدارة الأمريكية بحسب هذا التصور على تمكين جماعات مسلحة أو انفصالية محلية للسيطرة على طرق أو مدن حدودية صغيرة دون إعلان رسمي.
ويشير إلياس إلى أن ما أُعلن عن سيطرة حزب الحياة الحرة الكردي على مواقع للحرس الثوري في كرمنشاه، إضافة إلى التوتر في جنوب شرق إيران، قد يكون مؤشرًا مبكرًا على هذا المسار والهدف هنا ليس اقتطاع أراضٍ، بل تشتيت تركيز الدولة واستنزاف قدراتها الأمنية على أكثر من جبهة داخلية.
تفكيك قبضة الحرس الثوري
أحد الأهداف المركزية لهذا السيناريو هو إضعاف سيطرة الحرس الثوري والقوات الحكومية على الشارع الإيراني، فالخطة تراهن على أن إنهاك الأجهزة الأمنية سيزيد من فرص توسّع الاحتجاجات، وانخراط شرائح اجتماعية كانت حتى الآن مترددة أو متشككة في النوايا الأمريكية بمعنى آخر أن واشنطن تريد تحويل الضغط الخارجي إلى انفجار داخلي.
استنزاف طويل الأمد بدل ضربة قاضية
استراتيجيًا، الهدف هو استنزاف النظام من الداخل وربط أمنه الداخلي بجبهات حدودية مفتوحة، وليس من قبيل الصدفة أن تطلب إيران من دول الجوار، وعلى رأسها العراق، تشديد ضبط الحدود، لأن طهران تدرك أن الخاصرة الرخوة ليست في السماء بل على الأطراف.
أوراق تفاوض لا حرب شاملة
جزء أساسي من هذا السيناريو هو خلق أوراق ضغط تفاوضية جديدة تُستخدم لاحقًا في الملفات النووية والإقليمية، ولكن من دون تحمّل كلفة حرب شاملة، أي أن واشنطن تريد التفاوض، ولكن من موقع أقوى، ومن دون تقديم ضمانات مسبقة.

ورغم كل ذلك، يشير إلياس إلى أن هذا المسار ليس مضمون النجاح، ويواجه عوائق جدية، أبرزها قدرات استخبارية إيرانية عالية وقدرة على الاحتواء والاختراق المضاد وضعف الحاضنة الشعبية لأي تدخل عسكري خارجي وحساسية دول الجوار من أي فوضى حدودية طويلة قد ترتد عليها مباشرة.
غياب المسار السياسي… وصفة للفوضى
ويختم إلياس بتحذير بالغ الخطورة بأن أي ضربة أمريكية من دون مسار سياسي واضح لمرحلة ما بعد الضربة قد تقود إلى كارثة داخل إيران وخارجها، فطهران لن تكتفي هذه المرة بردود محسوبة، لأن الصراع بين ترامب وخامنئي وصل إلى مرحلة كسر العظم، وتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، وهذا يعني أن المنطقة قد تكون أمام مقامرة كبرى إما ضربة بلا ضمانات، وحرب بلا أفق، وفوضى قد تتجاوز حدود إيران نفسها.










