أثار تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن إمكانية إحالة الكيان الصهيوني إلى محكمة العدل الدولية بسبب تقويض عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والسياسية.
هذا التهديد جاء بعد سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية التي استهدفت عمل الوكالة، سواء عبر التضييق على موظفيها أو التشكيك في نزاهتها، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون تحت وطأة العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023، والذي خلف مجازر ودمار واسع بدعم مباشر من أمريكا.
المسار القانوني للإحالة
بحسب خبراء القانون الدولي، فإن إحالة دولة إلى محكمة العدل الدولية ليست إجراءً مباشرًا، بل يتطلب مسارًا قانونيًا محددًا.
فالأمين العام للأمم المتحدة لا يملك وحده سلطة الإحالة، وإنما يمكنه رفع توصية أو تقرير إلى الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
وفي حال تبني الجمعية العامة قرارًا بهذا الشأن، يمكن أن يُطلب من المحكمة إصدار رأي استشاري حول مدى قانونية ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد "الأونروا".
أما إذا أراد المجتمع الدولي محاكمة إسرائيل بشكل مباشر، فإن ذلك يتطلب قرارًا من مجلس الأمن، وهو ما يواجه عقبة الفيتو الأمريكي الدائم لحماية الاحتلال.
حدود الإحالة القانونية
الخبراء يؤكدون أن الإحالة إلى محكمة العدل الدولية قد تقتصر على إصدار رأي استشاري غير ملزم، وهو ما يحد من تأثيرها المباشر على الاحتلال.
ومع ذلك، فإن هذه الآراء تحمل وزنًا قانونيًا وأخلاقيًا كبيرًا، وتستخدم كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي.
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "الجارديان"، فإن أي رأي استشاري يدين إسرائيل سيعزز من عزلة الكيان الصهيوني، ويكشف زيف روايته أمام المجتمع الدولي، خاصة في ظل المجازر التي ارتكبها منذ أكتوبر 2023.
موقف خبراء القانون الدولي
في ندوة استضافها مركز حقوق الإنسان في جنيف، أكد خبراء القانون الدولي أن استمرار الاحتلال في تقويض عمل "الأونروا" يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وأن إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية قد تكون خطوة مهمة لكشف هذه الانتهاكات.
الدكتور سامي الدجاني، أستاذ القانون الدولي، أوضح أن "الأونروا" ليست مجرد مؤسسة إغاثية، بل رمز قانوني لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وأن استهدافها يهدف إلى تصفية هذا الحق.
بينما شددت المحامية الفرنسية كلير دوبوا على أن أي رأي صادر عن المحكمة سيشكل وثيقة قانونية يمكن استخدامها لاحقًا في محاكمات جنائية ضد قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية.
البعد السياسي والدبلوماسي
التهديد الأممي بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا، إذ يعكس حجم الضغوط المتزايدة على الأمم المتحدة من قبل الدول الأعضاء والمنظمات الحقوقية.
وفقًا لتقارير إعلامية، فإن بعض الدول الأوروبية بدأت تراجع موقفها من دعم الاحتلال، خاصة بعد المجازر الأخيرة في غزة.
هذا التحرك يعكس أن المجتمع الدولي بدأ يدرك أن استمرار العدوان الإسرائيلي لا يمكن أن يمر دون مساءلة، وأن المؤسسات الأممية مطالبة باتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية أكثر جدية.
دور أمريكا في تعطيل المسار
من المعروف أن أمريكا، بقيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب منذ 2024، تمثل العقبة الأكبر أمام أي مسار قانوني ضد الاحتلال.
فواشنطن تستخدم حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي قرارات ملزمة.
هذا الدور الأمريكي يكشف ازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي، حيث يتم تعطيل المساءلة القانونية لصالح مصالح سياسية، بينما يستمر العدوان على الفلسطينيين بلا محاسبة.
الخبراء يؤكدون أن تجاوز هذه العقبة يتطلب تحركًا واسعًا من الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يمكنها إصدار قرارات بأغلبية الأصوات، حتى وإن كانت غير ملزمة قانونيًا.
دلالات مستقبلية على القضية الفلسطينية
من المتوقع أن يشكل التهديد الأممي بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية، حتى وإن اقتصر على إصدار رأي استشاري.
هذا المسار سيعزز من عزلة الاحتلال، ويكشف زيف روايته أمام العالم، ويضع أمريكا في مواجهة مباشرة مع الضمير الدولي بسبب دعمها المستمر للعدوان.
كما أن أي رأي صادر عن المحكمة يمكن أن يستخدم لاحقًا كوثيقة قانونية في محاكمات جنائية، ما يفتح الباب أمام مساءلة قادة الاحتلال عن جرائم الحرب التي ارتكبوها منذ أكتوبر 2023.







