سلّط الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي الضوء على ما وصفه بـ«المفارقة الصادمة» في خطاب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تجاه الاحتجاجات الجارية في إيران، معتبرًا أن هذا الخطاب يعكس انفصامًا أخلاقيًا وسياسيًا يصعب تجاهله. فبينما يرفع نتنياهو راية التعاطف مع الإيرانيين ويُكثر من مفردات الحرية والعدالة، تواصل حكومته ممارسة سياسات القتل والقمع بحق الفلسطينيين دون أي اكتراث بالقيم ذاتها.
وفي مقال نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية، عبّر ليفي عن دهشته من الطريقة التي قدّم بها نتنياهو نفسه مجددًا كـ«منارة أخلاقية» تخاطب العالم، في وقت تتراكم فيه الجرائم الإسرائيلية اليومية في غزة والضفة. ويشير ليفي إلى أن هذا التناقض ليس مجرد زلة خطابية، بل نهج سياسي متكامل يقوم على توظيف القيم الإنسانية حين تخدم الأجندة الإسرائيلية فقط.
خطاب الحرية الانتقائي
يتوقف ليفي عند لهجة نتنياهو التي وصفها بسخرية لاذعة بأنها «مؤثرة إلى حد البكاء»، خاصة عندما أعلن تضامنه مع ما سماه «نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية والعدالة». ويرى الكاتب أن هذا الخطاب يبدو عبثيًا حين يصدر عن رئيس حكومة يشرف على نظام احتلال عسكري يمارس القتل اليومي بحق شعب آخر منذ عقود.
ويضيف أن نتنياهو لم يكتفِ بالتعاطف اللفظي، بل قدّم الصراع مع إيران باعتباره «صراعًا عالميًا بين دول تؤمن بالحرية والتقدم ودول عنيفة». هذا التوصيف، بحسب ليفي، يفضح حجم المفارقة، إذ يصعب التوفيق بينه وبين واقع دولة تمارس القمع المنهجي، وتفرض الحصار، وتشن الحروب المتكررة على المدنيين الفلسطينيين.
شعارات مزدوجة المعايير
يعيد الكاتب التذكير بتصريحات سابقة لنتنياهو خاطب فيها الإيرانيين بشعار «إيران للإيرانيين»، داعيًا إياهم إلى النزول إلى الشوارع والمطالبة بالحرية. ويعلّق ليفي بسخرية حادة بأن من يرفع هذا الشعار اليوم بحق إيران، قد يرفعه غدًا بشأن فلسطين، في إشارة إلى هشاشة الخطاب عندما يُستخدم كأداة سياسية لا كمبدأ أخلاقي ثابت.
ويكشف هذا التناول، وفق ليفي، أن المشكلة ليست في دعم الشعوب بحد ذاته، بل في انتقائية هذا الدعم. فحين يتعلق الأمر بالفلسطينيين، تختفي لغة الحرية، ويحلّ محلها تبرير القتل وشيطنة الضحية، بينما تتحول القيم نفسها إلى سلاح دعائي عندما يكون الخصم دولة معادية للاحتلال.
إعلام منحاز ومتواطئ
يقارن ليفي بين التعاطف الواسع الذي أبداه الإعلام العبري مع احتجاجات الإيرانيين، وبين التجاهل شبه الكامل لمعاناة الفلسطينيين. ويشير إلى أن صحيفة إسرائيلية كبرى موالية لنتنياهو، مثل «يديعوت أحرنوت»، نشرت كلمات لمتظاهرة إيرانية قُتلت خلال الاحتجاجات، في مشهد إنساني حظي بتغطية واسعة وتعاطف ظاهر.
في المقابل، يؤكد الكاتب أن الصحيفة ذاتها «لم ولن تنشر كلمة واحدة» لو كانت الضحية فلسطينية من غزة. هذا التفاوت الإعلامي، بحسب ليفي، لا يعكس فقط انحيازًا سياسيًا، بل شراكة أخلاقية في تبرير الجرائم الإسرائيلية، عبر تغييب الرواية الفلسطينية وتجريد الضحايا من إنسانيتهم.
نتنياهو ونفاق أخلاقي مكشوف
يخلص جدعون ليفي إلى أن موضع الاستغراب الحقيقي لا يكمن في مواقف العالم أو ازدواجية معاييره، بل في جرأة القيادة الإسرائيلية على التحدث باسم الحرية والعدالة. فحين تصدر هذه الشعارات عن حكومة تدين القمع في طهران بينما تمارسه بلا رحمة في غزة والضفة، فإنها تكشف، بحسب وصفه، «أعلى درجات النفاق السياسي والأخلاقي».
ويؤكد الكاتب أن هذا الخطاب لا ينجح في إخفاء الواقع، بل يفضحه أكثر، إذ يضع التناقض الإسرائيلي في مواجهة مباشرة مع القيم التي يدّعي الدفاع عنها. وبهذا، تتحول كلمات نتنياهو عن الحرية من خطاب أخلاقي إلى دليل إضافي على زيف الرواية الإسرائيلية وسقوطها أمام الحقائق الميدانية.










