الصحافة في مرمى النيران.. الاحتلال يواصل استهداف الأقلام الحرة واعتقال 40 صحفياً
تشهد الساحة الفلسطينية تصعيداً غير مسبوق في استهداف الكوادر الإعلامية والصحفية، في محاولة ممنهجة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتغييب الرواية الفلسطينية وطمس الحقائق الميدانية.
ووفقاً لآخر البيانات الصادرة عن مكتب "إعلام الأسرى"، فإن عدد الصحفيين المعتقلين حالياً في سجون الاحتلال قد وصل إلى 40 صحفياً وصحافية، يعيشون ظروفاً اعتقالية قاسية تفتقر لأدنى مقومات الحقوق الإنسانية والقانونية.
سياسة تكميم الأفواه وتصاعد الاعتقالات

الصحافة في مرمى النيران.. الاحتلال يواصل استهداف الأقلام الحرة واعتقال 40 صحفياً
منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، شنت قوات الاحتلال حملة شعواء طالت كافة فئات المجتمع الفلسطيني، وكان للصحفيين نصيب الأسد من هذه الاستهدافات.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد حالات اعتقال واحتجاز الصحفيين والإعلاميين منذ ذلك التاريخ بلغت نحو 220 حالة، شملت اعتقالات من المنازل، أو عبر الحواجز العسكرية، أو أثناء تغطية الأحداث في الميدان.
هذه الأرقام تعكس رغبة واضحة لدى الاحتلال في فرض حصار معلوماتي، ومنع وصول صورة ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية إلى العالم.
فالصحفي الفلسطيني بات اليوم هدفاً مباشراً، ليس فقط بالاعتقال، بل بالاستهداف المباشر والاغتيال الميداني، مما يجعل مهنة الصحافة في فلسطين واحدة من أخطر المهن عالمياً.
جريمة الإخفاء القسري
من أكثر القضايا إيلاماً وخطورة في ملف الصحفيين الأسرى هي قضية الإخفاء القسري فما يزال الصحفيان نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، من قطاع غزة، رهن الإخفاء القسري منذ شهور طويلة. ترفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن مكان احتجازهما أو حالتهما الصحية، مما يضع عائلاتهما والوسط الصحفي في حالة من القلق الدائم.
قانونياً، يُعد الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، ومع ذلك يضرب الاحتلال بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية، مستغلاً غياب الرقابة الدولية الفاعلة وحالة الصمت التي تلف المجتمع الدولي تجاه الجرائم المرتكبة بحق الكوادر الإعلامية الفلسطينية.
جنين.. استهداف مستمر للصحفيين الأسرى
لم تتوقف ماكينة الاعتقالات للحظة واحدة، حيث فجر اليوم الأحد، اعتقلت قوات الاحتلال الصحفي فاروق عمر عليات (44 عاماً) بعد مداهمة منزله في قرية دير أبو ضعيف شرق جنين. عليات، وهو أب لثلاثة أطفال وأسير سابق قضى فترات داخل السجون، يمثل نموذجاً للصحفي الذي يرفض التخلي عن واجبه المهني رغم التهديدات المستمرة.
اعتقال عليات وغيره من الأسرى المحررين الذين عادوا لممارسة عملهم الإعلامي، يؤكد أن الاحتلال يستهدف الخبرة والوعي، ويحاول كسر إرادة الصحفيين الذين يملكون القدرة على نقل الصورة الحقيقية لما يحدث في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في جنين التي تتعرض لاجتياحات متكررة.
واقع السجون والانتهاكات القانونية
يواجه الصحفيون في سجون الاحتلال جملة من الانتهاكات، تبدأ من التحقيق القاسي والتعذيب الجسدي والنفسي، وصولاً إلى الحرمان من الزيارات العائلية ومنع التواصل مع المحامين.
كما يلجأ الاحتلال بشكل مكثف إلى "الاعتقال الإداري"، وهو احتجاز بلا تهمة أو محاكمة، بذريعة وجود "ملف سري"، مما يبقي الصحفي رهن الاعتقال لسنوات دون أفق قانوني واضح.
تتزامن هذه الإجراءات مع حملات تحريضية واسعة في الإعلام العبري ضد الصحفيين الفلسطينيين، ووصفهم بصفات تبرر استهدافهم، مما يعطي الضوء الأخضر لجنود الاحتلال للتعامل معهم كأهداف عسكرية لا كمدنيين يتمتعون بحماية دولية.
إن المعركة التي يخوضها الصحفي الفلسطيني اليوم ليست مجرد معركة نقل خبر، بل هي معركة وجود وإثبات حق، وإن اعتقال 40 صحفياً، وتغييب آخرين خلف جدران الصمت والإخفاء القسري، يمثل وصمة عار في جبين المؤسسات الدولية التي تتشدق بحرية الرأي والتعبير ، هؤلاء الأبطال، الذين استبدلوا كاميراتهم بقيود السجان، يثبتون كل يوم أن الكلمة الحرة لا يمكن سجنها، وأن الحقيقة أقوى من كل أدوات القمع العسكري.
إننا أمام استحقاق إنساني وقانوني يتطلب تحركاً فورياً من الاتحاد الدولي للصحفيين وكافة المنظمات الحقوقية للضغط على الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الزملاء المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين منهم.
إن حماية الصحفيين ليست ترفاً، بل هي ضرورة لضمان وصول الحقيقة إلى العالم. سيبقى الصحفي الفلسطيني صامداً، يحمل أمانة الكلمة ووجع الوطن، مؤمناً بأن القيد سينكسر يوماً، وأن شمس الحرية ستشرق على زنازين الأسرى، لتعود الأقلام تكتب حكاية النصر والتحرير، وتكشف زيف الاحتلال الذي حاول طويلاً التغطية على جرائمه خلف قضبان السجون.








