20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فيروس مجهول يفتك بغزة المُحاصرة: مناعة بشرية منهارة تحت وطأة الحرب والبرد

هل هو سلالة متحورة من فيروس كورونا؟ أم نوع حاد من الإنفلونزا الموسمية؟ السؤال يبقى بلا إجابة بسبب النقص الحاد والمدمر في أبسط أساسيات العمل الطبي.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٩ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
فيروس غامض يزحف عبر الخيام الممزقة والمنازل المدمرة

فيروس غامض يزحف عبر الخيام الممزقة والمنازل المدمرة

في مشهد يختزل المأساة الإنسانية المتعددة الأوجه التي يعيشها سكان قطاع غزة، يطل الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، بتحذير مرعب: وباء جديد وفيروس غامض يزحف عبر الخيام الممزقة والمنازل المدمرة، ضارباً كل بيت دون استثناء. تصريحاته ليست مجرد بيان طبي جاف، بل هي صرخة استغاثة من قلب منظومة صحية انهارت تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية التي تجاوزت العامين، حيث يتحول القطاع المحاصر إلى مختبر مفتوح للأمراض والبؤس.

الوضع الذي يصفه أبو سلمية بأنه "الأقسى منذ بدء الحرب" هو ذروة جبل الجليد، الناتج النهائي لحصار طويل، وقصف منهجي للبنية التحتية، وسياسة تجويع ممنهجة، وإهمال دولي مطبق، خلقت معاً الظروف المثالية لانتشار الأوبئة وانهيار آخر خطوط الدفاع في أجساد البشر.

فيروس مجهول.. وأطباء عاجزون

الوجه الأكثر إثارة للرعب هو الغموض الذي يلف طبيعة العدو نفسه. تؤكد الطواقم الطبية في المستشفيات، التي تعمل على حدود طاقة البشر، عجزها عن تحديد ماهية هذا الفيروس الغاشم. هل هو سلالة متحورة من فيروس كورونا؟ أم نوع حاد من الإنفلونزا الموسمية؟ السؤال يبقى بلا إجابة بسبب النقص الحاد والمدمر في أبسط أساسيات العمل الطبي: التحاليل المخبرية والمعدات التشخيصية. لقد حُرمت غزة حتى من حق المعرفة، من حق تشخيص الداء الذي يفتك بأهلها. هذا الغموض يضاعف من المعاناة النفسية للسكان، الذين يواجهون خوفاً مجهولاً يضاف إلى قائمة المخاوف اليومية من القصف والجوع والبرد.

المرض نفسه، كما يصفه الدكتور أبو سلمية، يتسم بشراسة غير مألوفة. فالفترة المعتادة للإصابة التي لا تتجاوز أسبوعاً، تمتد الآن إلى أسبوعين من العذاب، يصاحبها طيف مرعب من الأعراض: ارتفاع حاد في الحرارة، آلام مبرحة تطحن المفاصل، صداع قاتل، قيء وإسهال منهكان، تصل في نهايتها إلى التهابات رئوية حادة. إنها معركة جسدية يومية يخوضها المرضى على أسرة المستشفيات المزدحمة، أو في زوايا الخيام الباردة، دون أمل في رعاية كافية أو دواء ناجع.

موت يستهدف الجميع

الكارثة الحقيقية تتجلى في قائمة الضحايا التي لم تعد تقتصر على الحلقات الهشة تقليدياً: كبار السن وذوي الأمراض المزمنة. فقد امتدت يد الموت لتخطف الشباب في ريعان صحتهم، والنساء الحوامل بأحلام لم تولد، والأطفال الذين كانوا أمل المستقبل الوحيد.

محمد أبو سلمية

 

يروي أبو سلمية بمأساوية حالات محددة تمزق القلب: طبيب، كان من المفترض أن يكون حامياً للحيارى، يسقط هو نفسه ضحية لعدوى لا يستطيع درء خطرها. وفتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تذوي وتفارق الحياة بسبب مضاعفات الإصابة، كأنما حُكم على جيل كامل بأن لا يكبر. كل حالة وفاة هي قصّة عالم انهار، وأسلة تحطمت، وأحلام تبخرت تحت وطأة مرض جاء في توقيت قَسري، كحليف آخر للحرب والحصار.

الجوع والبرد حلفاء للفيروس

الدكتور أبو سلمية يضع يده على الجرح الأعمق الذي يفسّر هذه الشراسة: تدهور المناعة العامة لدى السكان. إنها حرب المجاعة الممنهجة التي تشنها قوى الاحتلال، وسوء التغذية المزمن، التي أنهكت الأجساد وجعلتها أرضاً خصبة لأي عدوان فيروسي. والبرد القارس الذي يتسلل عبر ثقوب الخيام البالية، في مخيمات النزوح التي لا تقي من مطر ولا ريح، ينهك مقاومة الصغار والكبار على حد سواء. لقد حوّلت السياسات العدوانية شعب غزة إلى كائنات بيولوجية ضعيفة، منهكة، عاجزة عن المقاومة حتى أمام أمراض كانت أجسادهم السليمة تقاومها ذات يوم.

المأساة تتكامل مع غياب أي أمل في الوقاية أو العلاج. فلقاحات الأمراض، التي منع الاحتلال دخولها منذ نوفمبر من العام الماضي، أصبحت حلماً بعيداً. والمستشفيات التي تُحارب بلا سلاح، تعاني من نقص مهول في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، حتى أن الأوكسجين والمسكنات صارت سلعاً نفيسة. المنظومة الصحية المتهالكة، التي أنهكها استقبال آلاف جرحى القصف والعدوان، تقف الآن عاجزة أمام تدفق جديد من المرضى يغمر أقسام الطوارئ، في مشهد ينذر بكارثة صحية شاملة.

كل عنصر في هذه المعادلة المرعبة – الحصار، العدوان، المنع المتعمد للإمدادات الطبية، تدمير البنية التحتية – يشكل حلقة في سلسلة ممنهجة تدفع بشعب غزة نحو حافة الهاوية البيولوجية، في صمت عالمي يكاد يكون مطبقاً. ما يحدث في غزة اليوم هو اختبار حقيقي للضمير الإنساني، حيث يموت البشر ليس فقط تحت القنابل، بل أيضاً تحت رحمة فيروس مجهول، لأن العالم سمح بتحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

فيروس مجهول يفتك بغزة المُحاصرة: مناعة بشرية منهارة تحت وطأة الحرب والبرد - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°