4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

معرض القاهرة الدولي للكتاب 57: الثقافة تصمد في زمن الضيق الاقتصادي واضطراب السياسة

تنطلق الدورة السابعة والخمسون من معرض القاهرة الدولي للكتاب في توقيت بالغ الحساسية، لا يقتصر فيه الحدث على كونه موسمًا ثقافيًا سنويًا، بل يتحول إلى مساحة عامة تختبر قدرة الثقافة على الصمود في ظل أزمات اقتصادية خانقة

بقلم: سماح عثمان
٢١ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
12 مشاهدة
معرض القاهرة الدولي للكتاب

معرض القاهرة الدولي للكتاب

تنطلق الدورة السابعة والخمسون من معرض القاهرة الدولي للكتاب في توقيت بالغ الحساسية، لا يقتصر فيه الحدث على كونه موسمًا ثقافيًا سنويًا، بل يتحول إلى مساحة عامة تختبر قدرة الثقافة على الصمود في ظل أزمات اقتصادية خانقة وتحولات سياسية إقليمية متسارعة. فالمعرض، الذي يُعدّ الأقدم والأوسع جماهيريًا في العالم العربي، يعود هذا العام محمّلًا بأسئلة تتجاوز عدد العناوين ودور النشر، لتلامس جوهر العلاقة بين الثقافة والواقع المعيشي للمجتمع.

ويحضر المعرض وسط تراجع واضح في القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار الورق والطباعة، ما يفرض تحديات غير مسبوقة على الناشرين والقراء معًا، ويحوّل المشاركة الثقافية نفسها إلى فعل مقاومة ناعمة في زمن الضيق الاقتصادي.

معرض القاهرة نافذة للتنفس

تعكس أروقة المعرض هذا العام أزمة قطاع النشر العربي بشكل مباشر. فالكثير من دور النشر خفّضت أعداد الإصدارات الجديدة، فيما اتجه بعضها إلى إعادة طباعة العناوين الأكثر مبيعًا فقط، في محاولة للبقاء داخل سوق يعاني من ارتفاع التكاليف وتقلص هوامش الربح.

ورغم ذلك، يواصل المعرض أداء دوره كنافذة أساسية لوصول الكتاب إلى القارئ، خصوصًا في ظل غياب بدائل جماهيرية حقيقية. فبالنسبة لشرائح واسعة من المصريين والعرب، يبقى معرض القاهرة فرصة شبه وحيدة لاقتناء الكتب بأسعار مخفّضة، ما يمنحه بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الوظيفة الثقافية التقليدية.

السياسة في خلفية المشهد الثقافي

لا ينفصل معرض القاهرة الدولي للكتاب عن السياق السياسي الإقليمي والدولي، حيث تحضر القضايا الكبرى — وفي مقدمتها القضية الفلسطينية — كخلفية ثقيلة على المشهد الثقافي العربي. فالكتاب لم يعد منتجًا معرفيًا محايدًا، بل أصبح أداة وعي في مواجهة حملات التزييف والرواية الواحدة، خصوصًا في ظل حرب الإبادة المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من انكشاف غير مسبوق لانحياز الغرب وازدواجية المعايير الدولية.

وفي هذا السياق، يبرز المعرض كمنصة لتكريس السردية العربية، وإعادة الاعتبار لدور المثقف في تفكيك الخطاب الاستعماري الجديد، الذي لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على السيطرة على الرواية والمعنى.

المعرض كمساحة عامة للحوار

يمثّل المعرض، بما يضمه من ندوات فكرية وأمسيات ثقافية ولقاءات مفتوحة، إحدى آخر المساحات العامة التي يلتقي فيها المثقف بالقارئ مباشرة. هذا التفاعل الإنساني، في زمن هيمنة المنصات الرقمية والخطاب السريع، يمنح الحدث قيمة مضاعفة، لأنه يعيد الاعتبار للنقاش الهادئ والمعرفة العميقة في مواجهة الاستقطاب الحاد.

في دورته السابعة والخمسين، لا يبدو معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد مناسبة سنوية، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الثقافة العربية على الاستمرار تحت الضغط. فبين أزمات الاقتصاد، وتقلّبات السياسة، وتحوّلات الذائقة، يظل المعرض شاهدًا على أن الكتاب لم يُهزم بعد، وأن الثقافة، رغم هشاشتها الظاهرة، ما زالت قادرة على خلق مساحة أمل، ولو محدودة، في زمن الاضطراب.

 

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال