في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوةً في العالم، تتكشّف فصول مأساوية جديدة من الحرب الدائرة في السودان منذ قرابة ثلاثة أعوام، حيث لم تعد آثار الصراع محصورة في أعداد القتلى والنازحين، بل امتدت لتضرب جوهر المجتمع ومستقبله، عبر حرمان ملايين الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم، في مشهد يعكس انهيارًا شاملًا لمنظومة الحياة.
تحذير منظمة «أنقذوا الأطفال» الصادر اليوم الخميس لم يكن مجرد بيان إنساني عابر، بل وثيقة إدانة صريحة لحربٍ طويلة الأمد حوّلت الطفولة السودانية إلى رهينة للسلاح، وجعلت المدارس أهدافًا غير مباشرة لنزاع لا يلوح له أفق قريب.
أرقام صادمة
بحسب البيان الذي أوردته وكالة «فرانس برس»، فإن أكثر من 8 ملايين طفل سوداني — أي ما يقارب نصف عدد الأطفال في سن التعليم — حُرموا من الذهاب إلى المدارس لمدة بلغت 484 يومًا متواصلة، وهي أطول فترة إغلاق تعليمي يشهدها العالم على الإطلاق.
وأوضحت المنظمة أن هذه المدة تجاوزت حتى فترات الإغلاق التي فُرضت عالميًا خلال جائحة «كوفيد-19»، في مقارنة تكشف حجم الانهيار الذي يعيشه قطاع التعليم في السودان، ليس نتيجة كارثة صحية عابرة، بل بسبب حرب مفتوحة بلا ضوابط ولا حماية للمدنيين.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أيام دراسية ضائعة، بل عن جيل كامل يتعرض لخطر الأمية، والتسرّب المبكر، والانزلاق نحو عمالة الأطفال أو التجنيد أو الاستغلال، في ظل غياب أي مظلة حماية حقيقية.
مدارس تحوّلت إلى أنقاض
تشير منظمة «أنقذوا الأطفال» إلى أن السودان يواجه اليوم واحدة من أسوأ أزمات التعليم في العالم، حيث أُغلقت آلاف المدارس بشكل كامل، بينما تعرّضت أخرى للتدمير الجزئي أو الكلي بفعل المعارك.
وفي مناطق واسعة، جرى تحويل المدارس إلى ملاجئ للنازحين، في مشهد يلخّص مأساة مزدوجة: أطفال بلا تعليم، ونازحون بلا مأوى، ودولة عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات.
هذا الواقع حوّل البيئة التعليمية إلى فراغ كامل، في وقت يفترض فيه أن تكون المدارس ملاذًا آمنًا للأطفال في أوقات النزاعات، لا ضحية جديدة لها.
حرب بلا خطوط إنسانية
الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تترك قطاعًا إلا ودمّرته. فإلى جانب عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، جرى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية والتعليمية، وسط غياب شبه كامل لأي التزام بالقانون الدولي الإنساني.










