خارطة طريق كوشنر: 25 مليار دولار لإعادة رسم مستقبل غزة حتى عام 2035.
في تطور دراماتيكي يشهده منتدى دافوس العالمي مطلع عام 2026، استعرض جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي، اليوم الخميس، أمام "مجلس السلام" المشكل حديثاً، ملامح خطته الاقتصادية الشاملة لإعادة إعمار قطاع غزة.
وتأتي هذه الخطة كجزء لا يتجزأ من المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتهدف إلى إحداث تحول جذري في الواقع الجيوسياسي والاقتصادي للقطاع.
وتستند رؤية كوشنر إلى ضخ استثمارات ضخمة تتجاوز 25 مليار دولار بحلول عام 2035، معلناً عن تنظيم مؤتمر مانحين دولي في واشنطن خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لتحديد مساهمات الدول الكبرى في هذا المشروع الذي يسعى لربط غزة بالاقتصاد العالمي عبر بنية تحتية متطورة ومنشآت سياحية وصناعية عملاقة.
المراحل الأربع للإعمار
تعتمد خطة كوشنر المعروضة أمام مجلس السلام على تسلسل زمني ومكاني دقيق مقسم إلى أربع مراحل استراتيجية؛ حيث تركز المرحلة الأولى على مدينتي رفح وخان يونس جنوبي القطاع كقاعدة انطلاق لعمليات التعافي السريع.
خارطة طريق كوشنر: 25 مليار دولار لإعادة رسم مستقبل غزة حتى عام 2035.
وفي المرحلة الثانية، سيتم الانتقال لتوسيع نطاق العمليات ليشمل المناطق الوسطى، بينما تخصص المرحلة الثالثة لتطوير وإعادة تأهيل المخيمات الرئيسية في غزة وتحويلها إلى أحياء سكنية منظمة. أما المرحلة الرابعة والأخيرة، فستكون موجهة بالكامل لإعادة إعمار مدينة غزة في الشمال، والتي تعرضت للدمار الأكبر.
هذا التدرج الجغرافي يهدف، بحسب الخطة، إلى ضمان انسيابية العمل اللوجستي وتوفير مراكز إيواء دائمة للسكان قبل البدء في إعادة بناء المراكز الحضرية الكثيفة، مما يضمن استقراراً ميدانياً يرافق عمليات البناء.
ثورة في البنية التحتية
تتضمن الرؤية الأمريكية الجديدة لقطاع غزة عام 2026 ثورة حقيقية في قطاع النقل والمواصلات، حيث تقضي الخطة بإنشاء ميناء بحري دولي ومطار جديدين، لكسر العزلة التاريخية للقطاع وتسهيل حركة التجارة والسفر.
ولربط المدن الفلسطينية داخلياً، اقترح كوشنر إنشاء شبكة متطورة من القطارات السريعة، بالإضافة إلى منظومة من الطرق الدائرية والرئيسية التي ستغير شكل الخارطة العمرانية في غزة.
ويهدف هذا الربط اللوجستي إلى رفع حجم اقتصاد غزة خلال عشر سنوات إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وزيادة متوسط دخل الأسرة السنوي ليفوق 13 ألف دولار، مما يعني نقل المجتمع الغزي من حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى حالة الرفاه الاقتصادي والإنتاجية العالية.
سياحة الأبراج والمجمعات الصناعية
من أبرز ملامح خطة كوشنر هو التحول السياحي والصناعي الطموح؛ إذ سيتم تخصيص جزء كبير من ساحل غزة ليكون وجهة للسياحة الشاطئية العالمية، يضم 180 برجاً مخصصاً للاستخدام السكني والتجاري الفاخر.
أما المناطق الداخلية للقطاع، فسيتم تقسيمها إلى مجمعات صناعية ضخمة تمتد على مساحة 25 كيلومتراً مربعاً، وستضم مراكز بيانات ومنشآت إنتاج تكنولوجي متطورة.
هذا التقسيم يهدف إلى جعل غزة مركزاً إقليمياً للصناعات الرقمية واللوجستية، مستغلاً الموقع الجغرافي الاستراتيجي للقطاع على البحر المتوسط، وهو ما سيوفر مئات الآلاف من فرص العمل للشباب الفلسطيني في مجالات التكنولوجيا والسياحة، ويحول غزة إلى منطقة اقتصادية جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
معضلة السلاح والشرطة الفلسطينية
بخصوص الجانب الأمني الذي يمثل ركيزة استقرار الخطة، أوضح كوشنر أن هناك خطة أمنية صارمة تتزامن مع مراحل الإعمار؛ حيث سيتم نزع الأسلحة الثقيلة من حركة حماس والمكاتب العسكرية فورا كشرط لبدء الاستثمارات.
أما بالنسبة للأسلحة الخفيفة، فسيتم نزعها تدريجياً وبشكل مبرمج حسب مناطق غزة، على أن تتولى "الشرطة الفلسطينية" التابعة للجنة التكنوقراط مسؤولية الأمن الداخلي وضبط النظام العام.
وتهدف هذه المقاربة إلى ضمان بيئة آمنة للمستثمرين الأجانب والشركات العالمية التي ستعمل في غزة، مع التأكيد على أن "قوة الاستقرار الدولية" ستلعب دوراً مراقباً لضمان تنفيذ هذه التفاهمات الأمنية ومنع عودة النزاعات المسلحة التي قد تهدد مشروع الإعمار الملياري.
مظلة مجلس الأمن والكيانات الثلاثة
يستمد مشروع كوشنر شرعيته من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في 17 نوفمبر 2025، والذي اعتمد خطة ترامب المكونة من 20 بنداً.
وتدار هذه المرحلة عبر ثلاثة كيانات مترابطة: "مجلس السلام" الذي يضم قادة العالم كمرجعية سياسية وتمويلية، و"لجنة تكنوقراط فلسطينية" تتولى الإدارة المدنية والخدماتية، و"قوة الاستقرار الدولية" لضمان الأمن.
إن عرض هذه الخطة في دافوس عقب تشكيل مجلس السلام مباشرة يعكس رغبة واشنطن في تسريع الخطوات العملية لتحويل "وقف إطلاق النار الهش" إلى "سلام اقتصادي مستدام".
ورغم التحديات السياسية القائمة، يراهن كوشنر على أن لغة الأرقام والازدهار الاقتصادي ستكون المحرك الأقوى لطي صفحة الماضي والبدء في حقبة جديدة تجعل من غزة نموذجاً للنمو في الشرق الأوسط.








