تمديد هدنة قسد ودمشق.. هل نجحت الوساطات الدولية في منع المواجهة الكبرى؟
بالتزامن مع انتهاء "مهلة الـ 4 أيام" التي حددتها دمشق، تترقب الأوساط السياسية والميدانية في الشمال السوري مآلات التفاهمات الهشة بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
فبينما تتحدث تقارير دبلوماسية عن "تمديد تقني" للهدنة، تبرز تعقيدات عميقة تجعل من "الاندماج الكامل" معضلة تفوق مجرد التفاهمات الورقية.
تعيش مناطق شمال شرق سوريا حالة من "الجمود القلق" مع وصول التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، وقيادة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى مفترق طرق خطير.
ففي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تنتهي مهلة وقف إطلاق النار مساء اليوم السبت ، كشفت مصادر دبلوماسية وإقليمية عن تفاهمات غير معلنة لتمديد التهدئة، تمنح الطرفين فرصة إضافية لتفادي صدام عسكري شامل.
تلميحات تركية ووساطة أمريكية.. محركات "التمديد"
لم تكن التحركات الميدانية هي المحرك الوحيد لهذا التمديد المفترض، بل لعبت القوى الإقليمية والدولية دوراً بارزاً، فقد صرح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن "تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول قد يكون مطروحاً على الأجندة"، معتبراً أن استمرار التهدئة ضروري لضمان نقل معتقلي تنظيم "داعش" إلى العراق والحد من المخاطر الأمنية على الحدود التركية.
من جانب آخر، شهدت أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق اجتماعات مكثفة جمعت مبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا، توماس برّاك، مع قائد "قسد" مظلوم عبدي، وسط ضغوط أمريكية واضحة لمنع انهيار الاتفاق والدفع نحو "اندماج تدريجي" لقوات قسد ضمن هيكلية الجيش والقوى الأمنية السورية، بما يضمن الحفاظ على مكتسبات المكون الكردي دون المساس بسيادة الدولة المركزية.
ميدان "مُتأهب".. حشود تقابلها رغبة في التسوية
على الأرض، لا يزال المشهد ضبابياً؛ فرغم سحب "قسد" لمئات من مقاتليها من مواقع حساسة مثل سجن "الأقطان" في الرقة وتسليمه لقوى الأمن السوري، إلا أن تقارير ميدانية أكدت تعزيز "قسد" لمواقعها الدفاعية في مدن الحسكة والقامشلي وكوباني. في المقابل، تواصل القوات الحكومية انتشارها في المناطق التي انسحبت منها "قسد" بموجب اتفاق 18 يناير، مما يجعل أي خلل في تطبيق "خارطة الطريق" شرارة لمواجهة قد تغير موازين القوى في شرق الفرات.
لماذا تفشل الاتفاقات بين "قسد" والحكومة؟
منذ سنوات، شهدت العلاقة بين دمشق و"الإدارة الذاتية" (التي تمثلها قسد عسكرياً) عشرات الجولات من التفاوض، لكنها كانت تنتهي دائماً بـ "طريق مسدود" أو اتفاقات هشة تنهار عند أول اختبار ميداني. ويمكن تلخيص أسباب هذا الفشل المتكرر في ثلاث نقاط جوهرية:
صراع "السيادة الكاملة" مقابل "الخصوصية العسكرية"
تصر دمشق على بسط سيادة الدولة السورية "كاملة غير منقوصة"، وهو ما يعني بالنسبة لها حل "قسد" ودمج عناصرها كأفراد داخل الجيش السوري، مع الخضوع الكامل لوزارتي الدفاع والداخلية. في المقابل، تسعى "قسد" للحفاظ على كيانها العسكري كوحدة متكاملة (فيلق أو فرقة مستقلة إدارياً) تحتفظ بخصوصيتها في مناطق شرق الفرات، وهو ما تراه دمشق "دولة داخل الدولة" أو مشروعاً انفصالياً مستتراً.
الارتباطات الخارجية والتجاذبات الإقليمية
تتحرك "قسد" ضمن مظلة الدعم الأمريكي، وهو ما يجعل قرارها رهناً بالاستراتيجية الواشنطنية في المنطقة. دمشق ترى في هذا الارتباط "ارتهاناً للخارج"، بينما تخشى "قسد" أن أي اتفاق مع الحكومة دون ضمانات دولية قد يؤدي إلى "تصفية" مشروعها السياسي الكردي. كما أن الضغط التركي المستمر يصعب المهمة؛ فأنقرة ترفض أي صيغة تمنح "قسد" شرعية قانونية داخل الدولة السورية، وتضغط باتجاه تفكيكها تماماً.
فجوة الثقة الموروثة والرهانات السياسية
هناك أزمة ثقة عميقة بين الطرفين؛ فـ "قسد" تخشى من "انتقام" الأجهزة الأمنية في حال العودة الكاملة، بينما تشكك دمشق في نوايا القيادات الكردية وتعتبر أنهم يلجؤون للتفاوض فقط عند الشعور بالخطر العسكري كما حدث بعد سقوط حلب مؤخراً، هذه "المناورة بالوقت" تجعل الاتفاقات تكتيكية وليست استراتيجية، حيث ينتظر كل طرف تغيراً في الظروف الدولية لتحسين شروطه.
إن تمديد الهدنة لمدد إضافية (قد تصل لشهر بحسب بعض التسريبات) يمنح "الدبلوماسية القسرية" متنفساً، لكنه لا يحل جذور الأزمة، فما لم يتم الوصول إلى "حل وسط" يجمع بين مفهوم الدولة المركزية واللامركزية الإدارية التي تضمن حقوق المكونات، سيبقى الشمال السوري رهينة لـ "هدنات مؤقتة" تسبق عواصف المواجهة.








