في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، جدّدت مصر تأكيدها على أهمية المضي قدمًا في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، باعتبارها مدخلًا أساسيًا للانتقال نحو التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفق مقاربة شاملة تستند إلى الاحتياجات الفعلية للفلسطينيين، وتضمن استمرار تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق أو اشتراطات سياسية.
وجاء هذا الموقف خلال لقاء جمع وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور بدر عبدالعاطي بنائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، في اجتماع حمل أبعادًا سياسية وإقليمية لافتة، عكس حجم التنسيق القائم بين القاهرة وواشنطن في ملفات شديدة الحساسية، تتقدمها تطورات العدوان المستمر على قطاع غزة.
التزام بالمرحلة الثانية
أكد الوزير المصري أن المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية تمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريًا، مشددًا على أن أي تعطيل أو تسويف في تنفيذ هذه المرحلة من شأنه تعميق الكارثة الإنسانية في القطاع.
وأوضح أن القاهرة ترى في هذه المرحلة مدخلًا ضروريًا لإعادة بناء ما دمره الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، في حرب اتسمت باستخدام مفرط للقوة واستهداف ممنهج للمدنيين والبنية التحتية، وسط دعم أمريكي مباشر وفشل دولي في فرض أي التزام حقيقي بالقانون الدولي الإنساني.
ترحيب مصري بمجلس السلام
وخلال اللقاء، أعرب عبدالعاطي عن ترحيب مصر بالانضمام إلى “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيدًا بدوره في التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ للسلام، بحسب بيان وزارة الخارجية المصرية.
ويأتي هذا الترحيب في إطار سعي القاهرة إلى التأثير داخل أي مسار دولي جديد، بما يضمن عدم تحوّله إلى أداة لإدارة الصراع بدل إنهائه، أو إلى غطاء سياسي يسمح للاحتلال الإسرائيلي بإعادة إنتاج سياساته تحت مسميات دولية جديدة.
إدارة غزة وقوة الاستقرار
وشدد وزير الخارجية المصري على ضرورة دعم اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، باعتبارها إطارًا فلسطينيًا ضروريًا لمنع الفراغ الإداري، مؤكدًا أهمية الإسراع في نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار ومنع خروق الاحتلال المتكررة.
كما طالب بفتح معبر رفح في الاتجاهين بشكل كامل ومنتظم، وتحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، باعتبار ذلك شرطًا لا غنى عنه لأي مسار سياسي أو إنساني قابل للحياة.
شراكة استراتيجية ممتدة
وبحسب بيان الخارجية المصرية، تناول اللقاء سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأمريكا، وبحث آليات تطوير العلاقات الثنائية في المجالات السياسية والاقتصادية، إلى جانب مناقشة تطورات الأوضاع في غزة والسودان والقرن الإفريقي، إضافة إلى ملف الأمن المائي المصري.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، السفير تميم خلاف، أن الجانبين ثمّنا عمق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، والتنسيق المستمر بشأن القضايا الإقليمية، في ظل مرحلة دولية تتسم بالاضطراب وتراجع منظومات الضبط التقليدية.
الاقتصاد والاستثمار
وفي الشق الاقتصادي، أعرب عبدالعاطي عن تطلع مصر إلى عقد النسخة الثانية من المنتدى الاقتصادي المصري–الأمريكي خلال النصف الأول من العام الجاري، بما يسهم في جذب مزيد من الاستثمارات الأمريكية، وتوسيع مجالات التعاون في القطاعات ذات الأولوية، خاصة الطاقة والبنية التحتية والتنمية المستدامة.
ويعكس هذا التوجه محاولة مصر الموازنة بين أدوارها السياسية الإقليمية واحتياجاتها الاقتصادية الداخلية، في ظل ضغوط عالمية متزايدة وتحديات تمس الاستقرار المالي للدول النامية.
السودان: أولوية إنسانية
وفي ما يخص السودان، شدد وزير الخارجية المصري على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة، وإنشاء ممرات وملاذات آمنة، تمهيدًا لوقف شامل لإطلاق النار.
وأكد ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية خالصة، مع التمسك بالموقف المصري الثابت الداعم لاحترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية في مواجهة مخاطر التفكك.
القرن الإفريقي والتحذير من التصعيد
وتطرق اللقاء كذلك إلى تطورات الأوضاع في القرن الإفريقي، حيث شدد عبدالعاطي على أن أي اعتراف بما يسمى “أرض الصومال” يُعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي، وانتهاكًا لوحدة الأراضي الصومالية.
وحذر من أن مثل هذه الخطوات من شأنها تقويض الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية، وتهديد أمن البحر الأحمر، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافسًا دوليًا محمومًا على النفوذ والممرات الاستراتيجية.
نهر النيل… خط أحمر
وفي ملف الأمن المائي، ثمّن عبدالعاطي رسالة الرئيس ترامب وما تضمنته من تقدير للدور المصري الإقليمي، مؤكدًا أن نهر النيل يمثل شريان الحياة للشعب المصري الذي يعيش في ظروف ندرة مائية حادة.
وشدد على التزام مصر بالتعاون الجاد مع دول حوض النيل وفق مبادئ القانون الدولي، مع الرفض التام لأي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بالحقوق التاريخية لمصر، في إشارة واضحة إلى أزمة سد النهضة.
إشادة أمريكية بالدور المصري
من جانبه، أشاد نائب وزير الخارجية الأمريكي بالعلاقات الوثيقة التي تجمع القاهرة وواشنطن، مؤكدًا أن الشراكة الاستراتيجية تحقق منفعة متبادلة في مختلف المجالات، ومثمنًا الدور الذي تضطلع به مصر في دعم أمن واستقرار المنطقة.
ويأتي هذا الإطراء في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها مسارات غزة والسودان والقرن الإفريقي، بما يعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لثقل الدور المصري في موازين الشرق الأوسط.










