الدليمي يوضج لـ"180 تحقيقات".. هل يعيد ترشيح المالكي العراق إلى مربع الصدامات الصفرية؟
في لحظة سياسية فارقة من تاريخ العراق المعاصر، ومع إشراقة يناير 2026، يبدو المشهد السياسي في بغداد وكأنه يستعد لزلزال قد يعيد رسم خارطة التحالفات والخصومات بشكل جذري.
فمن قلب العاصمة، وبناءً على التطورات المتسارعة، جاء إعلان قوى "الإطار التنسيقي" بترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء بمثابة "القنبلة السياسية" التي انفجرت في توقيت شديد الحساسية، خاصة بعد اعتذار محمد شياع السوداني عن الاستمرار في دفة القيادة.
هذا الترشيح، كما يراه خبراء، ومن بينهم الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد حيث قال في حديث لـ"180 تحقيقات" بأن ذلك ليس مجرد إجراء روتيني لتشكيل حكومة، بل هو مغامرة سياسية عالية المخاطر تستهدف فرض أمر واقع جديد قبيل حسم ملف رئاسة الجمهورية المتعثر أصلاً.
الاستباق السياسي والمساومة خلف الأبواب المغلقة
إن توقيت إعلان ترشيح المالكي قبيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقررة في نهاية يناير 2026، يحمل في طياته إشارات واضحة للداخل والخارج فالإطار التنسيقي يسعى من خلال هذه الخطوة إلى الدخول للبرلمان بكتلة صلبة ومرشح جاهز، في محاولة صريحة للضغط على القوى الكردية المنقسمة بين حزبي البارزاني والطالباني. الهدف هنا يكمن في إجبار الأطراف الأخرى على حسم خياراتها بما ينسجم مع توجهات المرشح الشيعي الأقوى.
حيث تتحول ورقة رئاسة الوزراء إلى أداة للمساومة والمقايضة؛ فدعم المالكي قد يكون هو "الثمن" لتمرير مرشح الديمقراطي الكردستاني للرئاسة، أو العكس، مما يضع البيت الكردي في مواجهة مباشرة مع خيارات صعبة قد تهدد تماسك تحالفاته الاستراتيجية.
زلزال داخل البيت الشيعي: الصدر والشرخ الداخلي
لا يمكن قراءة عودة المالكي دون النظر بعين الحذر إلى رد فعل التيار الصدري، فبالنسبة لمقتدى الصدر، يمثل المالكي "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه.
هذا الترشيح كفيل بنقل الصدر من مرحلة "الانسحاب الصامت" إلى "الاحتجاج النوعي" والعودة بقوة إلى الشارع، مما ينذر بـ "شتاء ساخن" في بغداد والمحافظات الجنوبية قد يؤدي إلى شل الحركة في المنطقة الخضراء وتعطيل المسارات الدستورية برمتها.
علاوة على ذلك، يكشف الترشيح عن تصدعات عميقة داخل جدار الإطار التنسيقي نفسه؛ فقوى مثل "عصائب أهل الحق" و"تيار الحكمة" تنظر بريبة إلى عودة المالكي، متخوفة من تكرار تجربة "الاستئثار بالسلطة والمال" التي ميزت ولايتيه السابقتين، مما يخشاه الحلفاء قبل الخصوم خوفاً من تهميشهم في توزيع "الوزارات الدسمة" ومفاصل الدولة الحيوية.
هواجس المكون السني والذاكرة السياسية المثقوبة
على الضفة الأخرى، تعيش القوى السنية، لاسيما تلك المنضوية تحت زعامة هيبت الحلبوسي رئيس البرلمان، حالة من القلق المشوب بالريبة. فالذاكرة السياسية لهذه القوى لا تزال مرتبطة بأزمات عامي 2013 و2014، وما رافقها من تهميش وتوترات أمنية كبرى.
ورغم وجود تفاهمات أولية سطحية، إلا أن دعم السنة للمالكي لن يكون شيكاً على بياض، بل سيكون مشروطاً بضمانات مكتوبة، وربما دولية، تتعلق بتوازن القوى في المحافظات العربية المسلمة، وضمان عدم المساس بالمناصب الأمنية الحساسة.
هذه الشروط المعقدة تضع المالكي أمام مهمة شاقة لتفتيت "الثلث المعطل" الذي قد يتشكل من تحالف غير معلن بين الرافضين لعودته من مختلف المكونات.
فلسفة إدارة الأزمات بالوكالة
بالتعمق في المشهد، يبرز ربط مثير للاهتمام بين ترشيح المالكي وفلسفة "إدارة الأزمات" على طريقة هنري كيسنجر. فقد يكون طرح اسم المالكي في هذا التوقيت مجرد سقف تفاوضي عالٍ جداً، يهدف إلى إرباك الجميع وإجبارهم على قبول "مرشح تسوية" في اللحظات الأخيرة.
هذا التكتيك يهدف إلى استنزاف الخصوم وإحراق أوراق الشخصيات القوية الأخرى، لضمان خروج الإطار التنسيقي، وتحديداً كتلة "دولة القانون"، بأكبر قدر من المكتسبات السياسية والقانونية.
وفي ظل رقابة واشنطن وطهران اللتين لا تغيبان عن المشهد، يبرز التساؤل، هل المالكي هو "رجل إيران القوي" القادر على الحسم، أم أنه "صاعق تفجير" قد ينهي ما تبقى من استقرار هش في بلد يقطنه 45 مليون نسمة يعانون من فقدان الأمل؟
السيناريوهات الدولية
لا يمكن فصل الشأن الداخلي العراقي عن المحيط الدولي، خاصة في ظل وجود إدارة أمريكية بقيادة ترامب التي تتبنى مواقف حادة تجاه حلفاء إيران العضويين. عودة المالكي قد تعني مواجهة مباشرة مع العقوبات الأمريكية، مما قد يعزل العراق مالياً واقتصادياً.
وفي المقابل، تجد طهران نفسها في وضع حرج؛ فهي ترغب في استقرار يضمن بقاء العراق ضمن محورها، لكنها تخشى اندلاع "حرب شيعية-شيعية" قد تخرج عن السيطرة لذا، قد تتدخل طهران في "الربع الساعة الأخير" لفرملة طموحات المالكي إذا رأت أن الأمور تتجه نحو الانفجار الشعبي الشامل، مفضلةً خيار "مرشح الظل" أو الشخصية التكنوقراطية التي لا تثير حفيظة الشارع أو المجتمع الدولي.
العراق بين التكليف والتسوية الثالثة
إن العراق اليوم لا يعيش مجرد أزمة انسداد سياسي، بل هو في مخاض "إعادة صياغة موازين القوى" التي تم العبث بها لسنوات. فنجاح المالكي في العبور نحو التكليف يتوقف على قدرته على كسر القيود الدستورية والسياسية المفروضة عليه.
وإذا مر انتخاب رئيس الجمهورية بسلاسة، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في إدارة بلد يختلف جذرياً عن ذلك الذي تركه المالكي في 2014.
المرجح في نهاية هذا الصراع أن يكون المالكي قد انتزع لنفسه ولتكتله ضمانات كبرى، قبل أن يفسح المجال لمرشح تسوية ثالث، لتجنب الذهاب نحو "الخيارات الصفرية" التي قد تحرق الأخضر واليابس في بلد يبحث عن بوصلة ضائعة منذ عام 2003.








