ما وراء "النقطة العشرين".. كيف يخطط ترامب لإدارة غزة مدنياً عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية؟
دخل المشهد السياسي الإسرائيلي في نفق من النقاشات الحادة والمنقسمة حول إطلاق المرحلة الثانية من "خطة ترامب ذات النقاط العشرين" لإنهاء الحرب في غزة.
فبينما تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض إيقاع سريع للتنفيذ عبر مبعوثها ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، تجد الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو نفسها عالقة بين ضغوط الحليف الأمريكي القوي وبين التوجسات الأمنية والمزايدات السياسية من المعارضة واليمين المتطرف على حد سواء.
إن هذه المرحلة لا تمثل مجرد وقف لإطلاق النار، بل هي إعادة صياغة شاملة لمفهوم السيادة والأمن في القطاع، مما جعل الكنيست الإسرائيلي يتحول إلى ساحة حرب كلامية تعكس عمق الشرخ الداخلي حول "اليوم التالي" في غزة.
جوهر الخلاف
تتمحور المرحلة الثانية من خطة ترامب حول معادلة شديدة التعقيد: "التجريد الكامل لغزة من السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط متفق عليها".
ووفقاً للتسريبات الميدانية والبيانات الرسمية في يناير 2026، فإن الخطة تنص على البدء فوراً في نزع سلاح كافة الفصائل الفلسطينية تحت إشراف "قوة الاستقرار الدولية" (ISF).
ما وراء "النقطة العشرين".. كيف يخطط ترامب لإدارة غزة مدنياً عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية؟
وفي الكواليس الإسرائيلية، يبرز انقسام حاد؛ حيث يصر الجناح اليميني في الحكومة على أن نزع السلاح يجب أن يسبق أي انسحاب فعلي للجيش، معتبراً أن الضمانات الدولية السابقة لم تمنع بناء ترسانة الفصائل.
في المقابل، يرى نتنياهو أن المضي قدماً في الخطة هو المخرج الوحيد لتجنب مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب التي تلوح بعواقب وخيمة لأي طرف يعرقل مسار "السلام والازدهار" الذي تنشده واشنطن في المنطقة.
المعارضة تهاجم
من جانبه، لم يضيع زعيم المعارضة يئير لبيد الفرصة لشن هجوم لاذع على نتنياهو في جلسة الكنيست الأخيرة، متهماً إياه بـ "الفشل الذريع" في إدارة ملف الحرب والاستسلام لليمين المتطرف الذي يقوض مصالح إسرائيل الاستراتيجية.
ويرى لبيد أن التباطؤ في قبول ملامح المرحلة الثانية من خطة ترامب يهدد بإضاعة فرصة تاريخية لإرساء نظام إقليمي جديد يضم دولاً عربية كبرى في إدارة القطاع.
وتؤكد المعارضة الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو تستخدم ملف "الرهينة الأخير" (ران غفيلي) كذريعة قانونية وسياسية لتعطيل تنفيذ بنود الخطة، وهو ما يضع إسرائيل في صدام مباشر مع البيت الأبيض الذي أعلن رسمياً بدء تنفيذ المرحلة الثانية وتشكيل "مجلس غزة التنفيذي" لإدارة الشؤون المدنية.
الضغوط الاقتصادية وإعادة الإعمار
لا تخلو خطة ترامب من "الجزرة" الاقتصادية التي تهدف إلى إغراء الأطراف بالقبول. فالمرحلة الثانية تتضمن إطلاق عمليات إعادة إعمار ضخمة تتجاوز تكلفتها 70 مليار دولار، بتمويل ودعم من مؤسسات دولية وصناديق خليجية.
وتدرك الحكومة الإسرائيلية أن رفض هذه المرحلة قد يعني حرمان إسرائيل من لعب أي دور في مشاريع الطاقة والربط الإقليمي التي تسوق لها إدارة ترامب كجزء من "التكامل الاقتصادي للشرق الأوسط"، لذا، تحاول تل أبيب المقايضة بين القبول بالإدارة المدنية الفلسطينية للقطاع مقابل الحصول على ضمانات أمريكية مكتوبة بشأن حرية الحركة الجوية والاستخباراتية في سماء غزة، وهو ما ترفضه القوى الإقليمية المشاركة في الخطة جملة وتفصيلاً.
غزة كحجر زاوية في رؤية ترامب 2026
وتعكس النقاشات الإسرائيلية حقيقة أن غزة لم تعد مجرد جبهة عسكرية، بل أصبحت "حجر الزاوية" في طموح ترامب لإعادة صياغة توازن القوى العالمي.
وإن نجاح المرحلة الثانية يتوقف على قدرة واشنطن على لجم جموح اليمين الإسرائيلي وتوفير بديل أمني مقنع لجمهور إسرائيلي لا يزال يعيش صدمة أكتوبر 2023 وفي ظل التهديدات الإيرانية المتصاعدة والانتفاضات الداخلية في طهران، يبدو أن ترامب يسعى لإغلاق ملف غزة بأي ثمن للتفرغ للمواجهة الكبرى، مما يضع إسرائيل أمام خيار وحيد: الانخراط في "قطار السلام" الأمريكي أو البقاء وحيدة في مواجهة أزمات لا تنتهي.
تأتي هذه النقاشات في ظل ضغوط أمريكية هائلة لإطلاق "المرحلة الثانية" من رؤية ترامب لعام 2026، والتي تهدف لتحويل غزة إلى منطقة منزوعة السلاح بإدارة تكنوقراط دولية.
وبينما يرى نتنياهو فيها مخرجاً سياسياً، تصفها المعارضة واليمين المتطرف بأنها مقامرة أمنية تفتقر لضمانات حقيقية، مما يضع مستقبل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي على المحك أمام استراتيجية "السلام مقابل التنمية" التي يتبناها البيت الأبيض.










