20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من البنوك إلى الصيد البحري.. كيف أصبح المغرب المستثمر الأول في القطاعات الحيوية بالسنغال؟

من البنوك إلى الصيد البحري.. كيف أصبح المغرب المستثمر الأول في القطاعات الحيوية بالسنغال؟

بقلم: محمد خميس
٢٦ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
المغرب والسنغال

المغرب والسنغال

من البنوك إلى الصيد البحري.. كيف أصبح المغرب المستثمر الأول في القطاعات الحيوية بالسنغال؟

شهدت العاصمة المغربية الرباط، اليوم حدثاً ديبلوماسياً واقتصادياً بارزاً يعكس عمق الروابط المتجذرة بين المملكة المغربية وجمهورية السنغال. 

فعلى هامش أعمال النسخة الـ15 للجنة العليا المشتركة بين البلدين، ترأس رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش ونظيره السنغالي عثمان سونكو مراسم التوقيع على 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات حيوية واستراتيجية. 

إن هذا الحراك الدبلوماسي المكثف لا يمثل مجرد بروتوكول رسمي، بل هو إعلان صريح عن رغبة البلدين في الانتقال بالعلاقات الثنائية من "التعاون التقليدي" إلى "الاندماج الاقتصادي الشامل"، بما يخدم تطلعات الشعبين في التنمية والازدهار، ويؤكد ريادة المحور (الرباط - داكار) كنموذج يحتذى به في التعاون "جنوب - جنوب" داخل القارة الأفريقية.

قطاعات السيادة

تجسدت الرؤية المشتركة للبلدين في طبيعة الاتفاقيات الموقعة، والتي ركزت بشكل أساسي على قطاعات السيادة الغذائية والصناعية. فقد شملت الحزمة الجديدة تعاوناً وثيقاً في مجال الفلاحة والسلامة الصحية للأغذية، وهو ملف يحظى بأولوية قصوى في ظل التحديات المناخية العالمية. 

كما تم التوقيع على اتفاقيات في قطاع الصيد البحري، تهدف إلى تبادل الخبرات في إدارة الثروات السمكية وحماية البيئة البحرية.

 وفي الشق الصناعي، وقع الجانبان مذكرات تفاهم لتطوير الشركات المتوسطة والصغرى وتقوية البنيات التحتية الصناعية، مما يمهد الطريق لإنشاء مناطق صناعية مشتركة تستفيد من الخبرة المغربية الرائدة في "مخطط التسريع الصناعي" والطموح السنغالي للتحول إلى قطب صناعي إقليمي في غرب أفريقيا.

الاستثمار المتبادل

خلال كلمته الافتتاحية، أبرز عزيز أخنوش أن اجتماع اللجنة المشتركة يعد فرصة ذهبية لإعطاء دفعة قوية للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. 

ومن جانبه، جاءت تصريحات رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو لافتة في صراحتها؛ حيث أكد على ضرورة "تحقيق التوازن" في الاستثمارات. 

وأشار سونكو إلى أن الشركات السنغالية تطمح اليوم للوصول إلى السوق المغربية عبر الحصول على تسهيلات استثمارية، على غرار النجاحات الكبيرة التي حققتها الشركات المغربية في السنغال بقطاعات البنوك، التأمين، الطاقة، والبناء. 

هذا الطموح السنغالي يعكس رغبة داكار في بناء شراكة ندية تتيح لرجال الأعمال السنغاليين الاستفادة من الفرص الواعدة في المغرب، خاصة مع اقتراب تنظيم المغرب لفعاليات كبرى مثل كأس العالم 2030 وما يتطلبه ذلك من مشاريع ضخمة.

أرقام ومؤشرات

تعكس لغة الأرقام المسار التصاعدي للعلاقات بين البلدين؛ حيث كشف التقرير أن حجم التبادل التجاري بلغ نحو 3.7 مليارات درهم (حوالي 370 مليون دولار) خلال عام 2024.

 ورغم أن هذا الرقم يعد الأكبر في منطقة غرب أفريقيا بالنسبة للمغرب، إلا أن مسؤولي البلدين يطمحون لمضاعفته خلال السنوات الثلاث القادمة بفضل الاتفاقيات الـ17 الجديدة. 

كما سجلت الاستثمارات المغربية في السنغال طفرة غير مسبوقة، مما جعل المغرب الشريك الاستثماري الأول للسنغال في العديد من القطاعات الخدماتية واللوجستية. 

إن هذه المؤشرات المالية القوية تمنح زخماً كبيراً للجنة المشتركة لتجاوز العقبات الإدارية والجمركية، وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) من خلال هذا المحور الثنائي القوي.

الأبعاد القنصلية والاجتماعية

لم تغفل اللجنة العليا المشتركة الجوانب الإنسانية والاجتماعية التي تربط الشعبين؛ حيث تم التوقيع على مذكرات تفاهم لإنشاء آلية للمشاورات القنصلية تهدف لتسهيل حركة الأشخاص وانسيابية تنقل الكفاءات. 

كما حظي قطاع الشباب والتعليم العالي بنصيب وافر من الاتفاقيات، مما يعزز التبادل الأكاديمي والطلابي؛ حيث يعد المغرب الوجهة الأولى للطلبة السنغاليين الراغبين في استكمال دراساتهم العليا في تخصصات الطب والهندسة والإدارة.

 إن التركيز على "الرأسمال البشري" يؤكد أن الشراكة المغربية السنغالية هي شراكة شاملة تتجاوز المصالح الاقتصادية الضيقة لتشمل الروابط الروحية والدينية والاجتماعية التي ميزت علاقة البلدين عبر القرون.

تمثل مخرجات اللجنة العليا المشتركة بالرباط وثيقة استراتيجية تؤسس لمستقبل أفريقي مشرق وإن توقيع 17 اتفاقية في يوم واحد هو دليل على نضج التجربة الدبلوماسية بين الرباط وداكار، وقدرتهما على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص للتكامل.

 ومع اختتام هذه النسخة، يتطلع المراقبون إلى ترجمة هذه الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة تخلق فرص عمل للشباب في كلا البلدين وإن نجاح النموذج المغربي السنغالي يبعث برسالة قوية للعالم مفادها أن أفريقيا قادرة على بناء تحالفات اقتصادية صلبة تعتمد على إمكانياتها الذاتية، وأن التعاون بين الدول الشقيقة هو الممر الإجباري لتحقيق السيادة الاقتصادية والاجتماعية في عالم متغير.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال