مدير مستشفى ناصر يحذر: سوء التغذية يمهد الطريق لتفشي التهاب السحايا بغزة
تواجه مدينة غزة فصلاً جديداً ومروعاً من فصول الكارثة الإنسانية، حيث حذر مسؤولون صحيون من مخاطر تفشّي مرض الحمى الشوكية “التهاب السحايا” الذي بدأ يطل برأسه وسط تدهور غير مسبوق في الأوضاع الصحية والمعيشية.
إن ظهور هذا المرض في ظل النقص الحاد في الإمكانيات الطبية والظروف الإنسانية البالغة الصعوبة يمثل تهديداً وجودياً لمئات الآلاف من النازحين الذين يتكدسون في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات النظافة والصرف الصحي.
ويأتي هذا التحذير في وقت استنزفت فيه حرب الإبادة الجماعية كافة مقدرات القطاع الصحي، مما جعل من أي وباء وافد بمثابة "حكم بالإعدام" على الفئات الضعيفة، خاصة الأطفال الذين باتت أجسادهم الهزيلة ساحة مفتوحة للفيروسات والبكتيريا نتيجة سوء التغذية الحاد وغياب اللقاحات الأساسية التي كانت تحميهم في سنوات ما قبل الحرب.
سوء التغذية وضعف المناعة.. البيئة الخصبة لانتشار التهاب السحايا
أكد الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أن الطواقم الطبية سجلت اكتشاف 9 حالات إصابة مؤكدة بالحمى الشوكية منذ مطلع الشهر الجاري، مشيراً إلى أن القاسم المشترك بين غالبية هذه الحالات هو معاناتها من سوء التغذية الحاد.
مدير مستشفى ناصر يحذر: سوء التغذية يمهد الطريق لتفشي التهاب السحايا بغزة
ويرى الفرا أن السبب الرئيس وراء هذا الانتشار المقلق يتمثل في الانهيار الكامل لمنظومة المناعة لدى السكان، نتيجة النقص الحاد في البروتينات والفيتامينات الضرورية، حيث يعيش نحو 1.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة ظروفاً معيشية قاسية تفتقر للأمن الغذائي.
هذا الضعف المناعي الجماعي جعل من مسببات الحمى الشوكية تنتقل بسرعة فائقة بين الأسر، محولةً مراكز النزوح المكتظة إلى بؤر وبائية يصعب السيطرة عليها، خاصة مع استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الغذائية والطبية النوعية التي قد تساهم في رفع كفاءة الجهاز المناعي للأطفال المصابين.
بؤر الوباء العابرة للحدود.. تحذيرات من انتقال العدوى إلى شمال القطاع
من جانبه، أطلق الدكتور جميل سليمان، مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال، تحذيراً شديد اللهجة من أن تسجيل إصابات بالحمى الشوكية في جنوب القطاع ينذر بخطر حقيقي بانتقال المرض إلى مناطق الشمال المكلومة.
وأوضح سليمان أن طبيعة هذا المرض وسرعة انتشاره في البيئات المكتظة، جنباً إلى جنب مع حركة النزوح والتنقل القسري المستمرة، تجعل من أي إصابة في منطقة ما خطراً داهماً يهدد الأمن الصحي للقطاع بأكمله.
إن غياب الرقابة الوبائية نتيجة تدمير المختبرات المركزية يجعل من تتبع سلاسل العدوى أمراً مستحيلاً، مما يعني أن الوباء قد ينتشر بصمت قبل أن تظهر آثاره الكارثية على شكل وفيات جماعية.
هذا الواقع يضع المنظومة الصحية المنهكة أمام تحدٍ لا تستطيع مواجهته، حيث تعجز المستشفيات حالياً عن توفير غرف عزل ملائمة أو بروتوكولات علاجية متكاملة للحد من هذا الزحف الوبائي الخطير.
انهيار المنظومة الطبية.. عجز المستشفيات وغياب الفحوصات التشخيصية
تعيش المستشفيات في غزة ظروفاً كارثية تجعلها تقف عاجزة أمام أي تفشٍّ وبائي محتمل، حيث أشار الدكتور جميل سليمان إلى أن النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات الضرورية وصل إلى مستويات غير مسبوقة.
إن غياب الأدوية النوعية الخاصة بعلاج الحمى الشوكية، وفقدان الفحوصات المخبرية الدقيقة لتشخيص نوع الالتهاب (سواء كان بكتيرياً أو فيروسياً)، يهدد بخروج الوضع عن السيطرة بشكل كلي.
ويدعو المسؤولون الطبيون المجتمع الدولي للتعامل مع هذا التطور باعتباره "حالة طوارئ صحية قصوى" تستوجب تدخلاً فورياً لإدخال العلاجات الوريدية والمضادات الحيوية المتخصصة. وبدون توفر مصادر الطاقة والمولدات لتشغيل الأجهزة المتبقية، تظل عمليات التشخيص مجرد تقديرات سريرية تفتقر للدقة، مما يرفع من احتمالية تقديم علاجات غير فعالة تزيد من معاناة المرضى وتسرع من وتيرة الوفيات.
الإبادة الجماعية وأثرها المدمر على الخارطة الصحية لغزة
لا يمكن عزل تفشي الحمى الشوكية عن السياق العام لحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل بدعم دولي منذ أكتوبر 2023 وحتى عام 2026.
إن محو مدن كاملة من الخريطة وتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي خلق واقعاً بيئياً كارثياً يتجاوز طاقة البشر على الاحتمال.
ومع وصول حصيلة الضحايا إلى أكثر من 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، وإبقاء آلاف المفقودين تحت الأنقاض، تحولت الأرض في غزة إلى مصدر للأوبئة، حيث تلوثت المياه الجوفية واختلطت بمياه الصرف الصحي، مما وفر البيئة المثالية لنمو البكتيريا المسببة لالتهاب السحايا.
إن تجاهل الاحتلال للنداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة هو ما أدى بالضرورة إلى هذا الانهيار الوبائي، ليصبح المرض اليوم سلاحاً إضافياً يضاف إلى القتل والتجويع والتهجير في محاولة يائسة لتصفية الوجود الفلسطيني في القطاع.
استغاثة غزة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من أطفالها
يمثل ظهور الحمى الشوكية في غزة اختباراً أخيراً لضمير العالم؛ فإما التدخل الفوري لكسر الحصار الطبي وإدخال اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة، أو ترك أطفال غزة يواجهون موتاً بطيئاً ومؤلماً تحت وطأة الوباء والجوع.
إن تسجيل 9 حالات في بداية الشهر هو مجرد قمة جبل الجليد لما قد يحدث إذا لم يتم تدارك الموقف بشكل عاجل. تظل بلدية غزة والمؤسسات الطبية تنادي في فراغ دولي، مؤكدة أن الصمت تجاه هذه الكارثة هو مشاركة فعلية في الجريمة وإن غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل تحتاج إلى إعادة بناء جسر جوي طبي يعيد الحياة لمنظومتها الصحية، لضمان عدم تحول هذه البؤر الوبائية إلى انفجار صحي إقليمي لا يمكن احتواؤه، ليبقى الأمل معقوداً على إرادة الصمود التي لم تكسرها القذائف، ولن تكسرها الأوبئة مهما بلغت فظاعتها.










