أكاديمي عراقي: رفض التدخل الخارجي محاولة جادة لاستعادة القرار الوطني
في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها العراق، يتجدد الجدل حول مفهوم السيادة وحدود التدخل الخارجي في صناعة القرار الوطني.
وبين تجارب الماضي وتعقيدات الحاضر، تبرز التساؤلات عن قدرة الدولة العراقية على تحصين خياراتها السياسية وبناء علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، يسلّط الدكتور طالب محمد كريم، أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، الضوء في حوار خاص مع موقع 180 تحقيقات على خلفيات الموقف العراقي الرافض لأي تدخل خارجي، وأبعاده السياسية والدستورية، وانعكاساته على الديمقراطية والعلاقات الدولية، إضافة إلى قراءته للموقف الأمريكي من الترشيحات السياسية المثيرة للجدل.
وإليكم نص الحوار:-
ما الدوافع الحقيقية وراء تشديد العراق اليوم على رفض أي تدخل خارجي في شؤونه السياسية؟ وهل يرتبط ذلك بتجارب سابقة؟
نعم، هذا الموقف نابع من تراكم تجارب مريرة عاشها العراق منذ 2003، حين كان القرار السياسي في كثير من المراحل يتأثر بإرادات خارجية، ما انعكس سلباً على الاستقرار والأمن وبناء المؤسسات ،واليوم هناك وعي سياسي متزايد بأن أي تدخل خارجي، مهما كانت مبرراته، يضعف الدولة ويقوّض الثقة بالنظام الديمقراطي. لذلك أصبح رفض التدخل ليس شعاراً، بل محاولة لاستعادة القرار الوطني.
إلى أي مدى تملك الحكومة العراقية أدوات فعلية لتحصين القرار السياسي؟ أم أن الموقف يظل في إطار الخطاب؟
الحكومة العراقية تمتلك أدوات نسبية، وليست كاملة، لتحصين قرارها، أهمها، التوافق الداخلي، الشرعية الدستورية، والانفتاح المتوازن على جميع الأطراف الدولية، وكلما كان القرار نابعاً من البرلمان والتحالفات الوطنية، تقلّصت مساحة التأثير الخارجي. صحيح أن الضغوط ما تزال موجودة، لكن القدرة على إدارتها اليوم أفضل مما كانت عليه في السابق.

كيف ينعكس هذا الرفض للتدخل الخارجي على علاقات العراق الإقليمية والدولية؟ وهل يمكن أن يقود إلى سياسة أكثر استقلالية؟
رفض التدخل لا يعني القطيعة، بل يعني إعادة تعريف العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، العراق لا يريد أن يكون ساحة صراع، بل شريكاً متوازناً . هذا الموقف، إذا أُدير بعقلانية، يمكن أن يقود إلى سياسة خارجية أكثر استقلالية، تقوم على المصالح لا على الإملاءات.
كيف تُقيّم الموقف الأمريكي، خصوصاً ما يُتداول عن رفض ترشيح نوري المالكي؟
هنا تظهر المفارقة العراق اليوم دولة ذات نظام ديمقراطي أُسّس بدعم أمريكي، والولايات المتحدة كانت من أبرز الداعمين لبناء هذا النظام بعد 2003، وقدّمت نفسها بوصفها راعية للديمقراطية في المنطقة.
من هذا المنطلق، فإن أي محاولة للتأثير على خيارات العراقيين أو التلويح برفض مرشح تم طرحه وفق الآليات الدستورية والبرلمانية تُعدّ تناقضاً واضحاً مع المبادئ التي ترفعها واشنطن نفسها وإذا كانت الولايات المتحدة تؤمن فعلاً بالديمقراطية، فعليها أن تحترم نتائجها، حتى عندما لا تنسجم مع تفضيلاتها السياسية والاعتراض على شخص أو الضغط لمنع ترشيحه، بعد أن دخل المسار الدستوري، لا يخدم الديمقراطية، بل يضعفها، ويبعث برسالة سلبية عن صدقية الخطاب الأمريكي.
في ختام هذا الحوار، يتضح أن الموقف العراقي الرافض لأي تدخل خارجي لم يعد مجرد رد فعل ظرفي، بل أصبح توجهاً سياسياً نابعاً من وعي متراكم وتجربة تاريخية ثقيلة الكلفة.
فالعراق، وهو يسعى إلى ترسيخ نظامه الديمقراطي وبناء مؤسسات دولة مستقرة، يدرك أن استقلال القرار الوطني يمثل حجر الأساس لأي إصلاح حقيقي أو استقرار دائم.
كما تكشف رؤية الدكتور طالب محمد كريم عن إدراك متزايد لأهمية إدارة العلاقات الدولية على أساس المصالح المتبادلة، بعيداً عن الإملاءات والضغوط، وأن احترام المسارات الدستورية وخيارات الشعب العراقي يظل الاختبار الحقيقي لصدقية الخطاب الديمقراطي، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
وبين تحديات الواقع وتعقيدات الإقليم، يبقى الرهان معقوداً على قدرة العراق على تحويل هذا الوعي السياسي إلى ممارسة فعلية تعزز سيادته، وتحفظ توازنه، وتمنحه دوراً فاعلاً كشريك لا كساحة صراع.








