وصفت منظمة أطباء بلا حدود مدينة الفاشر في السودان بأنها “مدمرة إلى حد كبير” و“فارغة”، وذلك بعد أول زيارة لها للمنطقة منذ فبراير 2025. وأكدت المنظمة أن حجم الدمار الذي طال الفاشر يعكس واقعًا إنسانيًا كارثيًا لم تشهده المدينة من قبل، مع تراجع واضح في مظاهر الحياة المدنية.
وقالت المنظمة إن موظفيها قضوا أربع ساعات داخل الفاشر في 15 يناير، بعد منحهم إذنًا لتقييم احتياجات المدنيين والمرافق الطبية. وأضافت أن هذه الزيارة كانت فرصة أولية لفهم الأوضاع الميدانية، لكنها كشفت عن حجم المأساة التي تعيشها المدينة وسكانها.
مدينة أشباح
قالت منظمة أطباء بلا حدود إنها شاهدت مناطق مدمرة وأحياء خلت إلى حد كبير من المجتمعات التي كانت تعيش فيها سابقًا داخل الفاشر. وأوضحت أن العاصمة الإقليمية باتت تبدو كمدينة أشباح، مع وجود عدد قليل جدًا من المدنيين الذين بقوا في المكان.
وأضافت المنظمة في بيان لها هذا الأسبوع أن المشاهد التي رصدها فريقها تعكس واقعًا مأساويًا، حيث اختفت الحياة اليومية من شوارع الفاشر بشكل شبه كامل. وأشارت إلى أن ما تبقى من السكان يعيشون في ظروف قاسية وسط انعدام الخدمات الأساسية.

حجم الكارثة
أوضحت المنظمة أن زيارتها كانت “محدودة للغاية”، ولم تسمح بأكثر من نظرة سريعة على أوضاع الفاشر. لكنها كشفت في الوقت نفسه عن “الحجم الهائل للدمار الذي شهدته المدينة”، حيث تم القضاء على عدد كبير من سكانها أو تهجيرهم.
وأكدت أطباء بلا حدود أن ما رأته في الفاشر يعكس مستوى غير مسبوق من العنف والدمار، ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل المدينة وسكانها. وأضافت أن المعطيات الأولية تشير إلى أن ما حدث في الفاشر يتجاوز مجرد عمليات عسكرية تقليدية.
سقوط الفاشر
في أكتوبر الماضي، سيطرت قوات الدعم السريع شبه العسكرية على عاصمة ولاية شمال دارفور بعد أكثر من 550 يومًا من الحصار. وأدى سقوط الفاشر إلى تحول جذري في المشهد الأمني والإنساني في المدينة، مع تصاعد أعمال العنف والانتهاكات.
وأفاد سودانيون فروا من الفاشر لموقع “ميدل إيست آي” ووسائل إعلام ومنظمات إنسانية أخرى بوقوع مجازر واسعة وعمليات اغتصاب جماعية ونهب نفذتها قوات الدعم السريع. وأشاروا إلى أن هذه القوات تتلقى تمويلًا ودعمًا عسكريًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، ما ساهم في تعزيز قدراتها العسكرية.
استهداف المدنيين
حلل موقع “ميدل إيست آي” أيضًا مقاطع مصورة لمقاتلي قوات الدعم السريع وهم يسيطرون على مناطق داخل الفاشر ويستهدفون مدنيين حاولوا الفرار من المدينة. وأظهرت هذه المقاطع نمطًا واضحًا من استهداف السكان المدنيين خلال عمليات السيطرة العسكرية.
وكان يقدر عدد سكان الفاشر بنحو 260 ألف شخص أثناء الحصار قبل اقتحام قوات الدعم السريع للمدينة. ويعكس هذا الرقم حجم الكارثة الإنسانية التي وقعت لاحقًا، مع تراجع كبير في عدد السكان نتيجة القتل والتهجير.
محاصرون داخل الفاشر
وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، كان ما بين 70 ألفًا و100 ألف شخص محتمل بقاؤهم محاصرين داخل الفاشر حتى ديسمبر الماضي. وأكد البرنامج أن هؤلاء السكان كانوا يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، مع نقص شديد في الغذاء والخدمات الأساسية.
وقدّر مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل أن قوات الدعم السريع قامت بحرق أو دفن عشرات الآلاف من الجثث بعد سيطرتها على المدينة. وتعكس هذه التقديرات حجم العنف الذي شهدته الفاشر، وتوضح مدى خطورة الوضع الإنساني فيها.
مخاوف متزايدة
قالت منظمة أطباء بلا حدود إنها تعمل على تحديد مواقع الناجين ودعمهم في مختلف أنحاء دارفور، لكنها أكدت أن زيارتها الأخيرة إلى الفاشر أثارت مخاوف متزايدة. وأوضحت أن هناك خشية من أن “معظم المدنيين الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة عند سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة قد قتلوا أو شُردوا لاحقًا”.
وأضافت المنظمة أن المعلومات التي تم جمعها من الفاشر تشير إلى أن الوضع الإنساني يتدهور بشكل متسارع، مع استمرار أعمال العنف وانعدام الحماية للمدنيين. وأكدت أن الحاجة إلى تدخل إنساني عاجل باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
تطورات المعارك
في وقت سابق من هذا الأسبوع، شنت قوات الدعم السريع هجومًا في ولاية النيل الأزرق بالسودان. لكن خصمها، القوات المسلحة السودانية، تمكن من فك حصار فرضته قوات الدعم السريع على مدينة الدلنج الجنوبية بعد عامين من الحصار.
وتعكس هذه التطورات استمرار الصراع العسكري في مناطق مختلفة من السودان، مع تصاعد المواجهات بين الطرفين. كما تشير إلى أن الحرب لا تزال مفتوحة على سيناريوهات أكثر تعقيدًا، مع اتساع رقعة العمليات العسكرية.
حصيلة الحرب
يُقدَّر أن أكثر من 150 ألف شخص قد قُتلوا، وأن نحو 14 مليون شخص شُردوا منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. وجاء اندلاع الحرب نتيجة خلافات حول خطط دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي ضمن عملية انتقال سياسي.
وتوضح هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، حيث امتدت آثار الحرب إلى مدن عديدة وعلى رأسها الفاشر. كما تكشف أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول إلى أزمة إنسانية شاملة تهدد مستقبل البلاد وسكانها.









