21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جمود الأسرى في اليمن.. هل تحولت الورقة الإنسانية إلى رهينة للمناورات السياسية؟

جمود الأسرى في اليمن.. هل تحولت الورقة الإنسانية إلى رهينة للمناورات السياسية؟

بقلم: محمد خميس
٣١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
جمود الأسرى في اليمن

جمود الأسرى في اليمن

جمود الأسرى في اليمن.. هل تحولت الورقة الإنسانية إلى رهينة للمناورات السياسية؟

يعيش الملف الإنساني في اليمن، وتحديداً قضية تبادل الأسرى والمعتقلين، حالة من الشلل التام التي تجاوزت حدود التوصيف الدبلوماسي لتصبح مأساة حقيقية تضرب آلاف الأسر في الشمال والجنوب. 

فمنذ جولات المفاوضات الأخيرة التي رعتها الأمم المتحدة، لم يطرأ أي تقدم ملموس يكسر حدة الجمود، بل على العكس، تصاعدت لغة الاتهامات المتبادلة بين الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي، مما جعل هذا الملف الإنساني البحت رهينة في يد الفاعلين السياسيين والعسكريين، وورقة ضغط يتم تحريكها وفقاً لتطورات الجبهات أو اشتراطات الطاولات المغلقة.

جذور التعثر.. تفاصيل شيطانية في كشوفات الأسماء

تكمن العقدة الأساسية في تعثر ملف الأسرى في عدم الثقة المتبادلة التي تفاقمت مع مرور سنوات الصراع، حيث تحول مبدأ "الكل مقابل الكل" من هدف استراتيجي أعلنه الطرفان إلى شعار للاستهلاك الإعلامي فقط. 

الواقع الميداني يكشف عن خلافات حادة حول "انتقائية الأسماء"، إذ يتهم كل طرف الآخر بإخفاء قيادات عسكرية رفيعة أو شخصيات سياسية وازنة، بالإضافة إلى الخلاف حول كشوفات المخفيين قسراً الذين تنكر بعض الأطراف وجودهم لديهم من الأساس. 

هذا التضارب في البيانات والإنكار المستمر لوجود مئات الأسماء في مراكز الاحتجاز جعل من أي جولة مفاوضات تقنية مجرد حلقة مفرغة تنتهي بالاتفاق على "الاستمرار في التشاور" دون نتائج فعلية تلامس حياة الميدان.

انعكاسات الجمود السياسي على المسار الإنساني

لا يمكن فصل تعثر ملف الأسرى عن الانسداد الكلي في الأفق السياسي اليمني. فمع توقف الجهود الرامية لتجديد الهدنة وتوسيعها، بات كل طرف ينظر إلى ملف الأسرى كآخر أوراق القوة التي يمتلكها. إن الارتباط العضوي بين الملفين السياسي والإنساني أدى إلى تراجع الأولوية الأخلاقية مقابل الحسابات التفاوضية؛ فالحكومة اليمنية ترى في إطلاق سراح الشخصيات السياسية والقيادات العسكرية مدخلاً لأي تقدم، بينما تسعى جماعة الحوثي لربط ملف الأسرى بملفات أخرى كفتح الطرقات والمطارات وصرف المرتبات. 

هذا الخلط المتعمد بين ما هو حقوقي إنساني وما هو سياسي سيادي، جعل من المدنيين والمقاتلين المأسورين مجرد أرقام في معادلات الربح والخسارة، مما أفقد الوساطات الدولية قدرتها على المناورة أو الضغط الفعال.

الدور الدولي والوساطة الأممية..بين العجز ومحدودية التأثير

يقف المجتمع الدولي ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن في موقف لا يحسد عليه؛ فبالرغم من المحاولات المتكررة لتقريب وجهات النظر، إلا أن الأدوات المستخدمة تبدو غير كافية لإجبار الأطراف على تقديم تنازلات حقيقية. 

إن الاكتفاء بدور "الميسر" للمفاوضات دون وجود آليات مراقبة أو ضغوط حقيقية على الطرف المعرقل جعل من جلسات الحوار في عواصم عربية وأوروبية مجرد مناسبات بروتوكولية.

 ويشير مراقبون إلى أن غياب الضمانات الدولية الكافية لحماية المفرج عنهم أو لضمان تنفيذ الاتفاقات السابقة أدى إلى تآكل الثقة في الوساطة نفسها، مما دفع الأطراف المحلية إلى البحث عن صفقات تبادل محلية (بوساطات قبلية) بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة، وهي الصفقات التي وإن كانت تنجح جزئياً، إلا أنها تظل محدودة النطاق ولا تعالج أصل المشكلة.

المأساة الإنسانية..ما وراء القضبان وما خلف الجدران

خلف الأرقام والبيانات الصحفية، تقبع قصص إنسانية تقشعر لها الأبدان؛ آلاف الأمهات اللواتي ينتظرن خبراً عن أبنائهن، وأطفال كبروا وهم لا يعرفون ملامح آباءهم إلا من صور قديمة.

 إن استمرار اعتقال الآلاف في ظروف احتجاز تفتقر لأدنى المعايير الدولية يزيد من تعقيد المشهد الحقوقي، حيث تشير تقارير حقوقية إلى تدهور الحالة الصحية لكثير من الأسرى نتيجة الإهمال الطبي والضغوط النفسية وإن تحويل هؤلاء البشر إلى وسيلة للابتزاز السياسي يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويضع مصداقية المنظمات الحقوقية الدولية على المحك، خاصة في ظل استمرار الاعتقالات الجديدة التي تعوض الأعداد التي كان من المفترض الإفراج عنها، مما يجعل الملف "نزيفاً مستمراً" لا يتوقف.

تداعيات الفشل على جهود السلام الشامل

يمثل ملف الأسرى "ترمومتراً" لقياس مدى جدية الأطراف في المضي قدماً نحو تسوية سياسية شاملة. فإذا فشلت الأطراف في الاتفاق على قضية ذات طابع إنساني بحت يحظى بإجماع شعبي، فكيف سيكون الحال عند مناقشة قضايا أكثر تعقيداً مثل شكل الدولة، تقاسم الثروة، أو دمج القوات العسكرية؟ إن الفشل في تحقيق خرق في جدار ملف الأسرى يرسل إشارات سلبية للداخل والخارج بأن الأطراف اليمنية لم تنضج بعد للوصول إلى سلام حقيقي، وأن خيار التصعيد لا يزال يلوح في الأفق. هذا الانسداد لا يعطل فقط عملية التبادل، بل يقوض أي جهود لبناء الثقة ، مما يجعل الطريق نحو إنهاء الحرب طويلاً وشائكاً ومحفوفاً بالمخاطر.

ضرورة الفصل بين الإنساني والسياسي

إن المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم يتمثل في ضرورة "تحييد" الملف الإنساني، وعلى رأسه قضية الأسرى والمعتقلين، عن الصراعات السياسية والعسكرية. يجب أن تتعامل الأطراف مع هذا الملف من منظور حقوقي بحت، بعيداً عن لغة المقايضات.

 كما يتطلب الأمر تدخلاً دولياً أكثر حزماً يتجاوز لغة "القلق" إلى لغة "الإلزام"، مع تفعيل دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشكل أكبر في زيارة كافة المعتقلات والكشف عن مصير المخفيين. إن استمرار تعثر هذا الملف ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل هو وصمة عار في جبين الإنسانية، وضريبة باهظة يدفعها الأبرياء من أعمارهم وحرياتهم في انتظار لحظة صدق سياسي قد لا تأتي قريباً.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال