تصعيد خطير في القدس: مستوطنون يفتتحون مساراً جديداً للاقتحامات يطوق قبة الصخرة
في خطوة وُصفت بأنها تصعيد غير مسبوق وتعدٍّ صارخ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في مدينة القدس المحتلة، شرعت مجموعات المستوطنين، يوم الأحد، وبدعم لوجستي وأمني مباشر من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، في افتتاح مسار اقتحام جديد داخل باحات المسجد الأقصى المبارك.
هذا التطور الميداني ليس مجرد تغيير في جغرافية الحركة داخل المسجد، بل هو محاولة ممنهجة لكسر الستاتيكو التاريخي والوصول إلى أعمق نقاط المسجد الأقصى حساسية، وتحديداً في محيط قبة الصخرة المشرفة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل سياق سياسي محموم يهدف إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض، تمهد لفرض التقسيم الزماني والمكاني بشكل نهائي، مما يضع المسجد الأقصى أمام تحدٍ وجودي هو الأخطر منذ عقود، في ظل صمت دولي وتواطؤ أمني من قبل أجهزة الاحتلال التي باتت تشرف بشكل مباشر على تنظيم هذه الانتهاكات وتسهيل عبور المقتحمين إلى مناطق كانت محرمة عليهم في السابق.
المسار الجديد.. تطويق قبة الصخرة من الغرب والشمال
كشفت المعطيات الميدانية الصادرة عن محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية، أن المسار الجديد الذي تم افتتاحه يتيح للمستوطنين الوصول إلى محيط قبة الصخرة المشرفة من جهتي الغرب والشمال، وهي مناطق كانت تشكل خطوطاً حمراء في سنوات الصراع الماضية.
إن أهمية هذا المسار تكمن في كونه يقرب المقتحمين بشكل كبير من "صحن قبة الصخرة"، وهو ما يسهل عملية استعراض القوة وفرض الوجود الاستيطاني في قلب الحرم القدسي.
ويرى مراقبون أن هذا التغيير في مسارات الحركة يهدف إلى جعل الوجود اليهودي داخل الأقصى أمراً اعتيادياً ومنتشراً في كافة أرجائه، بدلاً من انحصاره في مسارات محددة وقصيرة بالقرب من باب المغاربة، مما يعني عملياً تحويل المسجد الأقصى من مكان مقدس للمسلمين وحدهم إلى ساحة مفتوحة للاستخدامات الدينية والقومية للمستوطنين تحت حماية البنادق.
خلفيات دينية وسياسية.. رفع "الحرج" عن المقتحمين
أوضحت محافظة القدس في تقريرها التحليلي لهذا التطور، أن افتتاح هذا المسار الجديد يحمل في طياته أبعاداً دينية تلمودية خطيرة، حيث كان المستوطنون يمتنعون في السابق عن دخول بعض المناطق خشية الوقوع فيما تسميه شريعتهم "النجاسة" بالاقتراب من صخرة "قدس الأقداس" (وهي قبة الصخرة في المفهوم الإسلامي).
إلا أن المؤسسات الاستيطانية الدينية، وبالتنسيق مع سلطات الاحتلال، عملت مؤخراً على رفع هذا "الحرج الديني" عبر فتاوى ومسارات هندسية دقيقة تضمن لهم الاقتراب من الصخرة المشرفة دون انتهاك محرماتهم الخاصة، مع استباحة كاملة لحرمة المكان الإسلامي
. هذا التحول يعني سحق التفاهمات التاريخية التي كانت تحول دون وصول المستوطنين إلى هذه المساحات، ويؤكد أن الاحتلال يسعى لدمج الأساطير الدينية في سياسته الأمنية لفرض سيادة كاملة على المكان، متجاوزاً بذلك كل القوانين الدولية التي تعتبر القدس مدينة محتلة.
استراتيجية التقسيم الزماني والمكاني.. واقع يُفرض بقوة السلاح
يتعرض المسجد الأقصى المبارك لاقتحامات يومية مكثفة، تتم على فترتين (صباحية ومسائية)، باستثناء يومي الجمعة والسبت، في خطة تهدف بوضوح إلى فرض "التقسيم الزماني" كأمر واقع لا يمكن النقاش فيه. ومع افتتاح المسارات الجديدة، ينتقل الاحتلال إلى مرحلة "التقسيم المكاني" الفعلي، حيث يتم تخصيص ممرات وباحات محددة لصالح المستوطنين بشكل دائم.
إن استمرارية هذه الاقتحامات تحت حماية الشرطة الإسرائيلية تهدف إلى كسر إرادة المرابطين المقدسيين وتقليل وتيرة التواجد الفلسطيني في باحات المسجد، مما يسهل على جماعات "الهيكل" المزعوم تنفيذ طقوسها التلمودية بحرية كاملة.
وتعتبر هذه السياسة جزءاً من استراتيجية "قضم" المساحات الإسلامية تدريجياً، وصولاً إلى اللحظة التي يتم فيها إعلان السيطرة الإدارية والأمنية الكاملة على المسجد الأقصى وتغيير هويته العربية والإسلامية.
الموقف المقدسي والدولي.. صرخة في وجه التهويد
أمام هذا التغول الاستيطاني، حذرت الجهات الرسمية والأهلية في مدينة القدس من مغبة الاستمرار في تغيير ملامح الأقصى، معتبرة أن افتتاح المسار الجديد هو بمثابة "إعلان حرب" على المقدسات الإسلامية.
وأكدت محافظة القدس أن صمود المواطنين ورباطهم هو خط الدفاع الأول والأخير في ظل غياب أي ضغط دولي حقيقي يلزم إسرائيل باحترام حرمة الأماكن المقدسة.
ويرى محللون أن صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الانتهاكات الصارخة يشجع حكومة الاحتلال اليمينية على المضي قدماً في خطط التهويد، بل والوصول إلى مراحل أكثر خطورة قد تشمل محاولات بناء منشآت دينية يهودية داخل باحات المسجد. إن هذه التطورات تضع المنطقة على فوهة بركان، حيث يبقى المسجد الأقصى دائماً هو الشرارة التي تشعل الغضب الشعبي في وجه محاولات التزييف التاريخي والحضاري.
الأقصى في قلب العاصفة
إن افتتاح مسار اقتحام جديد في محيط قبة الصخرة ليس مجرد إجراء فني لتنظيم حركة السياح أو المستوطنين، بل هو خطوة استراتيجية في مشروع "الصهيونية الدينية" الرامي لتهويد القدس بالكامل.
وما لم تكن هناك وقفة جادة من الأمتين العربية والإسلامية، والمجتمع الدولي، لفرض عقوبات حقيقية على هذه الانتهاكات، فإن الاحتلال سيواصل سياسة "فرض الوقائع" حتى يصل إلى هدفه النهائي.
إن الدفاع عن المسجد الأقصى اليوم لا يتطلب الإدانة اللفظية فحسب، بل يتطلب دعماً حقيقياً لصمود المقدسيين وتفعيل كافة الأدوات القانونية والدبلوماسية لوقف زحف الاستيطان الذي وصل اليوم إلى عتبات قبة الصخرة المشرفة، في محاولة بائسة لمحو قرون من التاريخ الإسلامي الراسخ في وجدان الأرض والإنسان.










