وزارة الصحة بغزة تحذر: مئات الجثامين تحت الركام وعجز تام عن الوصول للضحايا في الطرقات
في ظل مشهد إنساني يزداد قتامة يوماً بعد يوم، تواصل الآلة العسكرية الإسرائيلية حصد أرواح المدنيين في قطاع غزة، ضاربة عرض الحائط بكافة التفاهمات الدولية ومسارات التهدئة الهشة.
وكشفت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، اليوم الأحد، عن واقع مرير يعيشه القطاع المحاصر، حيث لم تتوقف عدادات الموت عن رصد الضحايا حتى في الفترات التي كان من المفترض أن تسود فيها لغة الحوار.
هذه الإحصائيات الجديدة لا تمثل مجرد أرقام صماء، بل هي صرخة استغاثة تعكس حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والنسيج الاجتماعي الفلسطيني، في وقت يبدو فيه العالم عاجزاً عن لجم العدوان الذي استباح كل محرمات القانون الدولي الإنساني، ليتحول القطاع إلى مقبرة مفتوحة تحتجز في باطنها وبين ركام أبنيتها آلاف الحكايات التي لم تكتمل.
حصيلة الـ 48 ساعة.. استمرار النزيف رغم دعوات التهدئة
أفادت وزارة الصحة بغزة في بيانها الأخير، بأن المستشفيات استقبلت خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية فقط نحو 26 شهيداً و68 مصاباً، في مؤشر واضح على تصاعد وتيرة الاستهداف المباشر للمناطق السكنية.
هذا التصعيد الميداني يأتي في وقت حرج، حيث يعاني القطاع الصحي من تهالك شبه كامل ونقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية، مما يجعل التعامل مع هذه الإصابات الجديدة تحدياً يفوق القدرات البشرية للأطقم الطبية المرابطة.
ويؤكد المراقبون أن تركز الإصابات والشهداء في وقت وجيز يعكس نية الاحتلال في إبقاء حالة الضغط العسكري في ذروتها، دون مراعاة لحرمة المدنيين أو الحاجة الملحة لوقف تدفق الدماء التي لم تجف منذ أشهر طويلة من القصف المكثف والعمليات العسكرية المستمرة.
المأساة المغيبة.. شهداء تحت الركام وعجز فرق الإنقاذ
أحد أكثر الجوانب إيلاماً في تقرير وزارة الصحة هو الإشارة إلى وجود عدد كبير من الضحايا الذين ما زالوا تحت أنقاض المنازل المدمرة وفي الطرقات الوعرة، حيث تقف طواقم الإسعاف والدفاع المدني عاجزة تماماً عن الوصول إليهم.
هذا العجز ليس ناتجاً عن نقص المعدات فحسب، بل هو نتيجة مباشرة للاستهداف الممنهج لفرق الإنقاذ ومنع وصولها إلى مناطق التماس، بالإضافة إلى تراكم الركام بأحجام هائلة تفوق قدرة الآليات المتهالكة على الإزالة.
إن بقاء هذه الجثامين في الشوارع وتحت الركام يمثل كارثة إنسانية وبيئية مضاعفة، ويحرم العائلات المكلومة من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة أو مواراة أحبائهم الثرى كأبسط حق إنساني، مما يزيد من عمق الجرح النفسي والاجتماعي لسكان القطاع.
انهيار التهدئة.. 523 شهيداً منذ تشرين الأول الماضي
رغم الآمال التي عُلقت على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلا أن الواقع الميداني رسم صورة مغايرة تماماً لما تم الاتفاق عليه سياسياً.
فقد أكدت الصحة الفلسطينية أن إجمالي الشهداء منذ تاريخ وقف إطلاق النار المزعوم قد ارتفع ليصل إلى 523 شهيداً، فيما بلغت الإصابات في ذات الفترة 1,433 حالة.
هذا الخرق المستمر للتهدئة يثبت أن المسارات السياسية لا تزال بعيدة كل البعد عن كبح جماح العمليات العسكرية على الأرض. وبموازاة ذلك، تمكنت الفرق من انتشال 715 جثماناً خلال الفترة الماضية، مما يشير إلى أن عمليات البحث والانتشال تسير ببطء شديد وتحت مخاطر أمنية جسيمة، وهو ما يفسر الفارق الكبير بين أرقام الشهداء المسجلين وأولئك الذين لا يزالون في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
الحصيلة الإجمالية.. جردة حساب الموت منذ أكتوبر 2023
مع دخول العدوان مراحل زمنية متقدمة، سجلت الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أرقاماً فلكية لم يشهدها التاريخ الحديث للحروب في مثل هذه المساحة الجغرافية الضيقة.
فقد ارتفع العدد الإجمالي للشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة إلى 71,795 شهيداً، بينما بلغت حصيلة المصابين رقماً مرعباً وصل إلى 171,551 مصاباً.
هذه الأرقام تعني أن نسبة كبيرة من سكان القطاع قد نالهم نصيب مباشر من القتل أو الإصابة، ناهيك عن الأمراض والأوبئة والنزوح القسري. إن وصول الضحايا إلى هذه المستويات المرعبة يضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية قانونية وتاريخية للتحقيق في جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة، والعمل الفوري على وقف نزيف الدماء الذي بات يهدد بمحو أجيال كاملة من الوجود.
غزة بانتظار عدالة غائبة
إن البيانات الصادرة عن وزارة الصحة بغزة اليوم هي وثيقة إدانة صارخة ضد الصمت الدولي المطبق وتواطؤ القوى الكبرى في استمرار هذه المأساة.
إن غزة اليوم لا تحتاج إلى بيانات شجب أو إحصائيات جديدة ترصد أعداد موتاها، بل تحتاج إلى فعل حقيقي يكسر الحصار ويوقف الطائرات والمدافع عن حصد الأرواح.
ستبقى هذه الأرقام 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، وصمة عار في جبين الإنسانية ما لم يتم التحرك فوراً لفرض وقف دائم وشامل لإطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإغاثية والطبية والفرق الدولية لانتشال ما تبقى من أحياء وجثامين من تحت الركام، لعل ذلك يكون بداية لنهاية أطول وأقسى عدوان شهده العصر الحديث.










