مدير مجمع الشفاء: استشهاد 1280 مريضاً بانتظار العلاج والآلية السابقة "حكم بالإعدام"
في تطور ميداني انتظره الملايين، بدأ اليوم الأحد التشغيل التجريبي لمعبر رفح البري على الحدود الفلسطينية المصرية، وذلك بعد فترة إغلاق شبه كاملة استمرت لأكثر من عام ونصف، وتحديداً منذ اجتياح الاحتلال لمدينة رفح في مايو 2024.
ورغم أن هذه الخطوة تحمل في طياتها "بارقة أمل" لكسر الحصار الطبي المفروض على القطاع، إلا أن التصريحات الصادرة عن القيادات الطبية في غزة جاءت محملة بالتحذيرات والشكوك.
فقد أكد مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أن فتح المعبر دون وجود آلية واضحة ومحددة تضمن سرعة خروج الجرحى والمرضى لن يكون كافياً لوقف نزيف الأرواح.
إن هذا التشغيل التجريبي، الذي يركز في يومه الأول على الجوانب اللوجستية ووصول وفد السلطة الفلسطينية، يواجه اختباراً إنسانياً أخلاقياً يتمثل في إنقاذ آلاف الحالات التي لا تملك ترف الوقت بانتظار "التجارب" أو الموافقات الأمنية المعقدة.
أرقام صادمة.. 20 ألف حالة بانتظار "قبلة الحياة"
رسم الدكتور محمد أبو سلمية صورة قاتمة للوضع الصحي داخل قطاع غزة، مشيراً إلى وجود نحو 20 ألف مريض وجريح في القطاع بحاجة ماسة لتلقي العلاج في الخارج، نظراً لتهالك المنظومة الطبية المحلية جراء العدوان والحصار.
وما يضاعف من مأساوية المشهد هو وجود 4500 طفل من بين هؤلاء الجرحى، يعانون من إصابات وحالات مرضية تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً لا يتوفر داخل غزة.
ويرى أبو سلمية أن غياب المسار السريع والآمن لمغادرة هؤلاء عبر معبر رفح يعني بقاءهم رهائن لسياسة الموت البطيء، حيث لم يعد القطاع الصحي قادراً على تقديم أكثر من الإسعافات الأولية أو العمليات الصغرى، في حين تحتاج الحالات المعقدة إلى مراكز تخصصية خارج الحدود لضمان بقائها على قيد الحياة.
مقبرة "قوائم الانتظار".. استشهاد 1280 مريضاً وجريحاً
كشف مدير مجمع الشفاء عن حصيلة ثقيلة لضحايا البيروقراطية والإغلاق، مؤكداً استشهاد نحو 1280 مريضاً وجريحاً وهم على قوائم الانتظار، بانتظار الحصول على تصريح للمغادرة وتلقي العلاج خارج قطاع غزة.
هؤلاء الشهداء يمثلون "الضحايا الصامتين" للحصار، الذين قضوا ليس بالقصف المباشر، بل بسبب منعهم من الوصول إلى الحق في العلاج.
وأوضح أبو سلمية أن الاحتلال تعمد خلال الهدنة السابقة العام الماضي إبطاء عمليات الإجلاء الطبي عبر تأخير الموافقات الأمنية بشكل غير مبرر، ومنع أعداد كبيرة من السفر رغم خطورة حالتهم، مما حول معبر رفح في تلك الفترة إلى نقطة استنزاف بدلاً من أن يكون شرياناً للحياة، وهو الأمر الذي يخشى الأطباء تكراره مع بدء التشغيل التجريبي الحالي.
مخاوف من "الآلية السابقة".. استنزاف للوقت والأرواح
حذر أبو سلمية بشدة من العودة إلى تطبيق الآلية السابقة لإجلاء المرضى، واصفاً إياها بأنها قد تضاعف الوفيات وتؤخر خروج المحتاجين للعلاج لسنوات طويلة.
فالتجربة السابقة أثبتت أن الشروط التعجيزية والموافقات التي تأخذ أسابيع وأحياناً شهوراً لا تتناسب مع طبيعة الإصابات الحرجة الناتجة عن الحرب.
ويطالب القطاع الصحي في غزة بضرورة إيجاد مسار إنساني أخضر يضمن خروج مئات الحالات يومياً دون قيود، خاصة مع بدء وصول وفد السلطة الفلسطينية لتولي مهام التنسيق.
إن نجاح التشغيل التجريبي للمعبر لا يقاس بوصول الوفود أو الترتيبات اللوجستية، بل بعدد الأرواح التي سيتم إنقاذها من خلال تسريع وتيرة السفر الطبي وتجاوز العوائق التي يضعها الاحتلال لعرقلة هذا الملف الإنساني البحار.
السياق التاريخي.. من اجتياح رفح إلى التشغيل التجريبي
يعود إغلاق معبر رفح بشكل كامل إلى السابع من أيار/ مايو 2024، حين أقدم الاحتلال على اجتياح المدينة والسيطرة على ممر فيلادلفيا، مما أدى إلى عزل قطاع غزة تماماً عن العالم الخارجي وتوقف حركة المسافرين والمرضى.
ومنذ ذلك الحين، تفاقمت الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، حيث تحول القطاع إلى سجن كبير يفتقر لأدنى المقومات الطبية. واليوم، يأتي التشغيل التجريبي بالتنسيق مع جمهورية مصر العربية وبإشراف طواقم السلطة الفلسطينية كخطوة أولى نحو كسر هذا الطوق.
ورغم تخصيص اليوم الأول للتحضيرات الفنية وعبور بعض الجرحى "على سبيل التجربة"، إلا أن الضغط الشعبي والطبي يطالب بتحويل هذا المسار التجريبي إلى مسار دائم وفعال يستوعب الأعداد الهائلة من المصابين قبل فوات الأوان.
إنقاذ الأرواح فوق الحسابات السياسية
يبقى ملف الجرحى والمرضى في غزة الاختبار الحقيقي لأي تفاهمات تتعلق بمعبر رفح وإن تصريحات الدكتور محمد أبو سلمية تضع المجتمع الدولي والوسطاء أمام مسؤولياتهم؛ ففتح المعبر شكلياً لا يعني إنهاء المعاناة إذا لم تقترن الخطوة بآلية سريعة وشفافة تضمن خروج الـ 20 ألف حالة دون إبطاء.
إن دماء الـ 1280 شهيداً الذين قضوا بانتظار "الموافقة" يجب أن تكون دافعاً لإسقاط كافة القيود الأمنية عن المرضى والجرحى، وخاصة الأطفال منهم.
يذكر أن غزة اليوم لا تحتاج إلى تجارب لوجستية بقدر حاجتها إلى قرار إنساني جريء يفتح بوابة رفح على مصراعيها أمام كل من تقطعت بهم سبل الشفاء داخل القطاع المحاصر.








