بزشكيان ينشر قائمة ضحايا احتجاجات يناير في خطوة غير مسبوقة
في خطوة وُصفت بأنها "كسر للقواعد التقليدية" في التعاطي مع الأزمات الداخلية، أصدر مكتب رئيس إيران، مسعود بزشكيان، بياناً رسمياً تضمن قائمة تفصيلية بأسماء ضحايا الاحتجاجات والاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد في شهر يناير.
هذا التحرك، الذي يأتي بتوجيه مباشر من الرئيس بزشكيان، يمثل تطبيقاً عملياً لسياسة الشفافية والمسؤولية والمحاسبة التي وعد بها خلال حملته الانتخابية.
ولا تقتصر أهمية هذه القائمة على كونها مجرد حصر عددي، بل تمثل اعترافاً رسمياً من أعلى سلطة تنفيذية في البلاد بحجم المأساة الإنسانية، وسعياً حثيثاً لاحتواء حالة الغضب الشعبي عبر مواجهة الحقائق بدلاً من إنكارها، مما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين السلطة والمجتمع تقوم على المصارحة والاعتراف بالحقوق.
تفاصيل القائمة.. مطابقة دقيقة بين الطب الشرعي والأحوال المدنية
أوضح بيان الرئاسة الإيرانية أن القائمة المنشورة تضم أسماء 2986 شخصاً من ضحايا الحوادث الأخيرة، وقد تم إعدادها بعد عملية تجميع دقيقة للبيانات من مصلحة الطب الشرعي الإيراني ومطابقتها مع أنظمة تسجيل الأحوال المدنية لضمان أعلى درجات الدقة.
وبحسب البيان، فإن إجمالي عدد الضحايا المسجل فعلياً هو 3117 شخصاً، حيث يعود الفارق بين الرقمين إلى وجود حالات مجهولة الهوية أو تناقضات في تسجيل الأرقام الوطنية لبعض الأفراد، وهي تفاصيل تعهدت الحكومة بمعالجتها ونشرها في قائمة تكميلية قريباً.
وتتضمن القائمة المرفقة معلومات محددة تشمل الاسم الأول، واسم العائلة، واسم الأب، وآخر ستة أرقام من الرقم الوطني، في محاولة لمنح أهالي الضحايا وثيقة رسمية تثبت حقوق أبنائهم وتنهي حالة الغموض التي سادت خلال الفترة الماضية.
فلسفة بزشكيان.. "الضحايا ليسوا مجرد أرقام"
حمل البيان لغة عاطفية وإنسانية لافتة، حيث أكد أن الحكومة الإيرانية ترى في كل ضحية "مجتمعاً وعالماً من الروابط" وليس مجرد رقم يُستغل في الصراعات السياسية.
وجاء في البيان أن الرئيس بزشكيان، بموجب واجباته الأخلاقية والعهد الذي قطعه مع الشعب، يعتبر نفسه حافظاً لحقوق هؤلاء الضحايا الذين وصفهم بأنهم "أبناء هذا الوطن".
هذه المقاربة تهدف بشكل مباشر إلى سحب البساط من تحت أقدام الجهات الخارجية التي اتهمها البيان بالتعامل مع حياة الأفراد كأرقام للاستغلال السياسي، مشدداً على أن الدولة الإيرانية لا ينبغي أن تترك أي عائلة في صمت أو بلا حماية، وهو ما يعكس رغبة القيادة الجديدة في تعزيز "التماسك الوطني" عبر احتضان المتضررين ومساندتهم.
مأسسة الشفافية.. نظام إلكتروني للتحقق والخصوصية
لضمان استدامة هذه الشفافية ومنع التلاعب بالبيانات، أعلنت الرئاسة الإيرانية عن تصميم نظام إلكتروني سيتم تفعيله خلال 48 ساعة القادمة، يتيح للمواطنين التحقق من المعلومات أو تقديم مطالبات جديدة بخصوص ضحاياهم.
هذا النظام صُمم ليراعي معايير الخصوصية والكرامة الإنسانية، ويوفر قناة تواصل مباشرة بين المواطن والحكومة للإجابة على أي استفسارات بشكل دقيق.
ويرى مراقبون أن هذه "المأسسة" للشفافية تعكس جدية الحكومة في إنهاء ملف الضحايا بشكل قانوني ومنظم، وتفادي الأخطاء التي قد تنجم عن الرصد غير الرسمي، مما يساهم في بناء جسور الثقة المهدمة ويؤكد التزام الدولة بمسؤولياتها تجاه مواطنيها أياً كانت توجهاتهم.
استعادة الهدوء وتعزيز الوحدة الوطنية
اختتم مكتب رئاسة الجمهورية بيانه بالتأكيد على أن الهدف الأسمى من هذه الخطوة هو استعادة الهدوء وتعزيز التماسك الوطني في إيران. إن نشر الأسماء والاعتراف بالضحايا هو في جوهره محاولة لتضميد الجراح التي خلفتها أحداث يناير، ومنع الانقسام المجتمعي الذي قد يهدد استقرار الدولة.
وتأمل الحكومة أن تؤدي هذه السياسة القائمة على "الوحدة والتعاطف" إلى خلق مناخ من التفاهم الشعبي يمهد الطريق للإصلاحات المنشودة.

إن نجاح هذه التجربة في الشفافية سيمثل اختباراً حقيقياً لقدرة بزشكيان على قيادة إيران نحو مرحلة من الاستقرار السياسي القائم على المصالحة الوطنية، بعيداً عن سياسات التعتيم التي كانت تُتبع في فترات سابقة.
نحو عقد اجتماعي جديد في إيران
يمثل نشر قائمة ضحايا مظاهرات يناير حدثاً فارقاً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث انتقلت الدولة من مربع "إدارة الأزمة أمنياً" إلى مربع "احتواء الأزمة إنسانياً وسياسياً".
إن هذه الجرأة في كشف الحقائق، رغم قسوة الأرقام، تضع بزشكيان في مواجهة مباشرة مع تحديات الإصلاح، لكنها تمنحه في الوقت ذاته شرعية شعبية لدى الفئات التي شعرت بالتهميش أو الظلم.
الكرة الآن في ملعب المؤسسات الإيرانية لترجمة هذه الشفافية إلى تعويضات عادلة ومحاسبة فعلية للمتسببين في العنف، لضمان أن تكون هذه القائمة هي الخطوة الأولى نحو سلام داخلي دائم، يعزز من قوة إيران في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتصاعدة.








