محمد خالد أبو جياب لـ180 تحقيقات: الاحتلال يدير اقتصاد غزة بسياسة التجويع والتحكم
في ظل حصار اقتصادي خانق وسياسات تحكم مشددة تمارسها إسرائيل على قطاع غزة منذ ما يقرب من عقدين، تتجدد الأسئلة حول الأدوات التي يستخدمها الاحتلال لإخضاع الاقتصاد الفلسطيني، وفي مقدمتها التحكم في المعابر ودخول السلع، وما يترتب على ذلك من آثار عميقة تمس حياة السكان اليومية وقدرتهم على الصمود.
فالمعابر لم تعد مجرد نقاط عبور تجارية أو إنسانية، بل تحولت إلى أدوات ضغط وابتزاز وعقاب جماعي، تُستخدم في أوقات التصعيد والحروب كما في فترات “التهدئة”، لتكريس واقع اقتصادي هش وشلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية.
في هذا السياق، أجرى موقع 180 تحقيقات حديثًا خاصًا مع المحلل الاقتصادي الفلسطيني محمد خالد أبو جياب، الذي قدّم قراءة معمقة لجذور الأزمة الاقتصادية في غزة، وآليات التحكم الإسرائيلي في السلع والأسواق، وانعكاسات ذلك على القطاعات التجارية والصناعية والزراعية والخدماتية.

محمد خالد أبو جياب
كما تطرق أبو جياب إلى التداعيات الاجتماعية الخطيرة، وعلى رأسها الارتفاع غير المسبوق في معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، واستنزاف مدخرات العائلات الفلسطينية، وصولًا إلى حالة الإنهاك العام التي تطال المجتمع بأكمله.
هذا الحوار يسلط الضوء على منظومة الحصار ككل، من المعابر إلى الأسواق، ويكشف كيف تحولت حياة الفلسطينيين في غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء، في انتظار كسر الحصار وإعادة إعمار ما دمرته الحروب المتتالية.
وإليكم نص الحوار:-
كيف يوظّف الاحتلال أدوات الضرائب والتحكم في دخول السلع كوسيلة ضغط اقتصادي على تجارة غزة، وهل يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال العقاب الجماعي؟
فيما يتعلق بالتحكم الإسرائيلي في دخول السلع كوسيلة ضغط اقتصادي وتجاري على غزة، هذا ليس بالأمر الجديد على القطاع، نحن نتحدث عن دخول القطاع في حصار مطبق على المستوى الاقتصادي من قبل الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 2006 تقريبا، وبالتالي، هذه الوسيلة أصبحت معروفة على المستوى الفلسطيني وعلى المستوى الإسرائيلي أيضا.
وبالتالي أيضاً هي أدوات للتحكم والضغط والابتزاز الاقتصادي للشعب الفلسطيني في غزة، واستخدمت أيضاً كواحدة من أدوات العقاب الجماعي، إذا ما تحدثنا عن الحروب السابقة، الجولات العسكرية السابقة، الحرب الأخيرة، المعابر استخدمت في عقاب الشعب الفلسطيني بشكل جماعي عبر إغلاقها بشكل تام وأحداث حالة من المجاعة.
وبالتالي، المعابر بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي مع القطاع تشكل واحدة من أهم أدوات التحكم والضغط والعقاب للسكان في غزة ضمن ما يعرف بالأبعاد والمصورات الأمنية التي يمكن أن تكون غطاءً لمثل هذا العقاب والتحكم والابتزاز الإسرائيلي فيما يتعلق بالمعابر.
ما القطاعات التجارية الأكثر تضررًا من سياسات التحكم بالضرائب والسلع، وكيف ينعكس ذلك على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن الغزّي؟
فيما يتعلق بالقطاعات التجارية، أعتقد أن كل القطاعات التجارية، الصناعية، الزراعية، الخدماتية، التكنولوجية في غزة أصيبت بضرر مباشر من إجراءات الاحتلال ومن حصاره ومن حروبه، فالحرب الأخيرة دمرت أكثر من 80% من كل هذه القطاعات المجتمعة وأحالت مئات آلاف العمال الذين كانوا يعملون في هذه القطاعات إلى صفوف البطالة التي وصلت إلى مستويات قياسية لم تعهدها أو لم يعهدها التاريخ الفلسطيني من قبل تحديداً في غزة نتحدث عن ما يقرب من 80% من البطالة.
هذا بالتأكيد ينعكس بشكل سلبي وخطير على القدرات الاقتصادية والشرائية التي تأثرت من خلال المواطن الفلسطيني في غزة وأدى إلى تآكل المدخرات والقدرات المالية للمواطن الفلسطيني عبر الابتزاز من خلال المعابر ورفع أسعار البضائع الواردة إلى القطاع وتآكل القوى الشرائية وتآكل قدرات المواطن الفلسطيني والعائلات الفلسطينية على الصمود الاقتصادي في غزة.
إلى أي مدى تفشل أو تنجح البدائل المحلية والتهريب المحدود في كسر هذا الضغط الاقتصادي، وما الخيارات الواقعية المتاحة أمام التجار في ظل هذا الحصار؟
هذا كله في منظومة متكاملة تبدأ من المعابر وصولا إلى ضرب القطاعات الانتاجية والتجارية والزراعية في غزة والاستنزاف الاقتصادي الكامل للعائلة الفلسطينية في غزة وصولا إلى حالة الشلل الكامل في المنظومة الاقتصادية بما يمس بقدرة العائلات الفلسطينية على الصمود داخل القطاع.
وهذا الحال انتج بالتالي كثير من البدائل لدى المجتمع الفلسطيني لمحاولات البقاء والصمود كثير من الخيارات التي باتت تشكل ملاذات آمنة للعائلات الفلسطينية اليوم من خلال المعابر تجري عمليات التهريب والسوق السوداء كخيارات للهروب من الحصار الإسرائيلي وأصبحت شبه منعدمة داخل غزة في ظل حالة التدمير واسع النطاق في القطاع.
وبالتالي اليوم الخيارات محدودة والأدوات محدودة وهامش التحرك لمجمل الدورة الاقتصادية بمكوناتها الإنتاجية والزراعية والتجارية وأيضا السوق والمستهلكين كلهم أصبحوا في حالة من الإنهاك الشديد والمطلوب هو رفع الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار لكل هذه القطاعات بما يعيد الحياة الاقتصادية إلى دورتها الأساسية ما قبل العدوان الأخير
في ختام هذا الحديث، تتضح صورة الاقتصاد في غزة كمنظومة مستهدفة بشكل ممنهج، لا بفعل الكوارث الطبيعية أو الاختلالات الداخلية، بل نتيجة سياسات حصار وتحكم تستخدم فيها المعابر كأداة مركزية للضغط والعقاب الجماعي.
ما يطرحه الخبير الاقتصادي محمد خالد أبو جياب يؤكد أن الأزمة لم تعد ظرفية أو مرتبطة بجولة عسكرية بعينها، بل أصبحت بنيوية تمس أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القطاع، وتدفع المجتمع بأكمله إلى حافة الإنهاك الكامل.
وأمام هذا الواقع، تبدو الحلول الجزئية أو المؤقتة عاجزة عن إحداث أي اختراق حقيقي، في ظل استمرار إغلاق المعابر وتقييد حركة السلع وضرب القطاعات الإنتاجية.
فاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في غزة تبدأ أولًا برفع الحصار وفتح المعابر بشكل كامل ودائم، يلي ذلك إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة تعيد بناء القطاعات التجارية والزراعية والصناعية، وتوفر فرص عمل تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وقدرته على الصمود. من دون ذلك، سيبقى الاقتصاد الغزي رهينة للابتزاز، وستظل معركة البقاء اليومية عنوانًا لحياة أكثر من مليوني إنسان ينتظرون حقهم الطبيعي في العيش والعمل بكرامة.









