مجزرة معمارية في سلوان.. الاحتلال يخطر بهدم 14 منزلاً في حي البستان لتشييد "حدائق توراتية"
في إطار حرب ديموغرافية وجغرافية لا تهدأ، صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الأحد من وتيرة استهدافها لحي البستان ببلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى المبارك، عبر إصدار إخطارات بهدم فوري لـ14 منزلاً مأهولاً بالسكان.
وتأتي هذه الخطوة الممنهجة لتضع نحو 120 مواطناً مقدسيًا، بينهم أطفال ونساء ومسنون، في مواجهة مباشرة مع خطر التشريد والتهجير القسري تحت ذريعة "البناء دون ترخيص".
إن حي البستان، الذي يمثل الامتداد الطبيعي والحارس الجنوبي لأسوار القدس، لم يعد مجرد حي سكني، بل تحول إلى ساحة اشتباك إرادات بين مقدسيين متمسكين بجذورهم وبين بلدية الاحتلال التي تسعى لتحويل أراضيهم إلى مشاريع استيطانية تخدم رواية "الحدائق التوراتية" المزعومة، مما يهدد بتغيير وجه المدينة التاريخي للأبد.
سياسة "الأرض الفارغة".. أداة الاحتلال لشرعنة المصادرة والهدم
أكدت محافظة القدس في بيانها الأحدث أن إخطارات الهدم الحالية ليست معزولة عن سياق أوسع يهدف لتطبيق سياسة "الأرض الفارغة"، وهي ذريعة قانونية زائفة توظفها بلدية الاحتلال للاستيلاء على الأراضي التي هُدمت منازلها سابقاً.
فخلال شهر يناير من عام 2026 الجاري، أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة نحو 6.8 دونمات من أراضي الحي لتنفيذ مشاريع تجميلية ومواقف سيارات تخدم المستوطنين والزوار الأجانب.
هذا الأسلوب الاستعماري يقوم على هدم المنزل الفلسطيني ثم ادعاء أن الأرض أصبحت "خالية" ومناسبة للمنفعة العامة، وهو ما يُعد تجسيداً صارخاً لسياسة التطهير العرقي الناعم التي تهدف إلى فرض واقع استيطاني دائم يحيط بالمسجد الأقصى ويحاصر الوجود العربي في بلدية سلوان التاريخية.
قانون "كامينتس" والقبضة الحديدية على منازل المقدسيين
يعيش سكان حي البستان حالة من الرعب القانوني المستمر، حيث تشير التقارير إلى أن قرابة 80% من منازل الحي البالغ عددها 120 منزلاً، والتي تؤوي حوالي 1500 مواطن، تقع تحت طائلة أوامر الهدم الفورية.
وتستند سلطات الاحتلال في هذه الإجراءات إلى ما يُعرف بـ"قانون كامينتس"، الذي يمنح البلدية صلاحيات واسعة لتنفيذ الهدم دون العودة للمحاكم، ويفرض غرامات مالية باهظة تُثقل كاهل المقدسيين.
والمثير للصدمة أن الاحتلال بدأ بتجديد مخالفات قديمة لمنازل سدد أصحابها غراماتها قبل عام 2017، في محاولة يائسة لدفع الأهالي إلى اليأس والرحيل الطوعي. إن استهداف الحي بهذه القوانين التعسفية هو جزء من مخطط تهويد المدينة وإحكام السيطرة الجغرافية على محيط الأقصى لتغيير الميزان الديموغرافي لصالح الجمعيات الاستيطانية.
الحصار المتعدد الأوجه.. من الاعتقال إلى الترهيب الاستيطاني
منذ السابع من أكتوبر 2023، دخل حي البستان في مرحلة من التصعيد غير المسبوق، حيث لم يقتصر الأمر على الهدم الذي طال أكثر من 35 منزلاً خلال العام المنصرم، بل امتد ليشمل حصاراً اجتماعياً واقتصادياً خانقاً.
وتفرض قوات الاحتلال حواجز عسكرية دائمة، وتنفذ حملات اعتقال تعسفية، فضلاً عن منع الفعاليات المحلية والتغطية الإعلامية داخل الحي.
وفي مشهد يعكس تكامل الأدوار بين المؤسسة الرسمية والمستوطنين، يمارس المستوطنون دوراً "شبه رسمي" في مراقبة تحركات السكان وتصوير منازلهم ورفع دعاوى قضائية لتسريع عمليات الهدم.
إن هذا الضغط اليومي الممنهج يهدف إلى تحويل حياة المقدسيين إلى جحيم مستمر، لكسر إرادتهم في البقاء داخل الحي الذي يمثل صمام الأمان الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك.
المسؤولية الدولية وضرورة حماية الهوية المقدسية
إن ما يحدث في حي البستان اليوم هو اختبار حقيقي للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، حيث تتعرض حقوق الملكية والسكن لانتهاكات صارخة تخالف كافة القوانين والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة.
وتشدد محافظة القدس على أن المساس ببلدة سلوان وحي البستان هو مساس مباشر بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة، وهو ما يتطلب تحركاً دبلوماسياً وقانونياً عاجلاً لوقف هذه المجازر المعمارية.
إن صمود الأهالي في خيمة الاعتصام، رغم هدمها مراراً، يؤكد أن إرادة البقاء لا تزال حية، وأن حي البستان سيبقى شاهداً على الهوية العربية للقدس، ورفضاً مطلقاً لكل محاولات التزييف التاريخي التي تحاول الجمعيات الاستيطانية فرضها بقوة السلاح وقوانين الهدم الجائرة.
البستان.. جذور فلسطينية عصية على الاقتلاع
يظل حي البستان في بلدة سلوان نموذجاً للصمود الأسطوري في وجه آلة الهدم الإسرائيلية التي لا تتوقف. إن إخطارات الهدم الـ14 الأخيرة ليست مجرد قرارات إدارية، بل هي صرخة تحذير من أن الاحتلال ماضٍ في خطته لعزل المسجد الأقصى عن محيطه الفلسطيني.
ورغم سياسة "الأرض الفارغة" وقوانين "كامينتس" الجائرة، يبقى المقدسيون مرابطين فوق أراضيهم، مؤكدين أن البيوت قد تُهدم، لكن الانتماء لهذه الأرض يزداد رسوخاً مع كل إخطار جديد.
إن معركة البستان هي معركة القدس بأكملها، وهي تتطلب دعماً وطنياً ودولياً شاملاً لضمان بقاء الحزام الجنوبي للأقصى حياً نابضاً بالوجود الفلسطيني، ولإفشال مخططات التهويد التي تستهدف محو التاريخ وتشريد الحاضر.







