المالكي لـ"180 تحقيقات": واشنطن تلوّح بالقوة لتفادي حرب إقليمية شاملة مع إيران
أكد أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، أن منطقة الشرق الأوسط تقف اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية حاسمة تقودها الإدارة الأمريكية الجديدة، والتي تعتمد في جوهرها على استراتيجية التهديد بالقوة العسكرية المباشرة ومحاصرة الدول بحاملات الطائرات لفرض واقع سياسي جديد.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أوضح المالكي أن هذه السياسة، التي تجلت بوضوح في التعامل مع الملفين الفنزويلي والإيراني، أجبرت النظام في طهران على التراجع التدريجي والبحث عن مخارج دبلوماسية، مع محاولة الحفاظ على ماء الوجه عبر الترويج لفكرة عدم التنازل عن البرنامج الصاروخي، مقابل إبداء مرونة غير مسبوقة للتفاوض حول الملف النووي الذي يمثل حجر الزاوية في الصراع القائم.
ويرى المالكي أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن تكلفة المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران ستكون باهظة ومحفوفة بالمخاطر، لا سيما في ظل امتلاك طهران لشبكة واسعة من الوكلاء والأذرع العسكرية في المنطقة، مما يعني أن أي شرارة حرب ستتحول سريعاً إلى صراع إقليمي شامل يهدد أمن إسرائيل بشكل مباشر وغير مسبوق.
ونتيجة لهذه المعطيات، تعمل واشنطن بالتنسيق مع حلفائها الإقليميين في الشرق الأوسط على صياغة "صيغة تفاوضية" جديدة تمنع انزلاق المنطقة نحو الحرب، وهو ما يفسر التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها دول مثل تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، حيث أبدت أنقرة استعداداً كاملاً للوساطة عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني، وسط أنباء عن مقترح لنقل اليورانيوم المخصب إلى الأراضي التركية كضمانة دولية تمنع طهران من حيازة السلاح النووي.
الأبعاد الاقتصادية وشروط "بقاء النظام" في رؤية ترامب
تطرق أحمد المالكي في حديثه إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى الملف الإيراني من زاوية "رجل الأعمال" الذي يبحث عن الاستفادة الاقتصادية القصوى، حيث يسعى لتجريد إيران من طموحاتها النووية مقابل منحها ضمانات أمنية واستثمارية.
وأشار المالكي إلى أن ترامب يشعر بالاستياء من استفادة الدول الأوروبية من الاتفاق النووي عام 2015 وتدشينها لمشروعات ضخمة داخل طهران، ولذلك فهو يخطط هذه المرة للاستحواذ على حصة الأسد من خلال السيطرة على قطاع النفط والغاز الإيراني، مستغلاً الاحتياطيات الهائلة التي تمتلكها إيران، تماماً كما فعل في الأزمة الفنزويلية، ليكون الاتفاق القادم بمثابة "صفقة تجارية واستراتيجية" تضمن بقاء النظام الإيراني مقابل تغيير بنيته الداخلية وتعديل سلوكه الإقليمي.
وشدد المالكي على أن الضمانات الأمنية المتعلقة بإسرائيل تظل هي الشرط الأصعب في أي مفاوضات قادمة، حيث تضع تل أبيب "خطوطاً حمراء" تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني والطائرات المسيرة، والتي تعتبرها تهديداً وجودياً يمكن أن يدمر العمق الإسرائيلي في حال اندلاع أي مواجهة وبالرغم من الضغوط التي يمارسها المسؤولون الإسرائيليون في واشنطن لدفع الإدارة الأمريكية نحو توجيه ضربة عسكرية لإسقاط النظام، إلا أن المالكي يرى أن ترامب قد يفرض شروطه على إسرائيل كما فعل في ملفات أخرى، وسيجبرها على قبول الصمت وتجميد التهديدات إذا ما نجحت المفاوضات في تحقيق أهداف واشنطن الكبرى، والتي تشمل وقف دعم الميليشيات المسلحة التي كانت سبباً رئيساً في توترات غزة ولبنان.
فرصة النظام الأخيرة.. بين الانفتاح الدبلوماسي وخطر السقوط
وفي ختام تصريحاته لـ "180 تحقيقات"، أكد المالكي أن الجدية الأمريكية في هذه المرحلة تختلف عن سابقاتها، نظراً لرغبة ترامب الشخصية في تحقيق إنجاز دبلوماسي تاريخي يخدم المصلحة القومية الأمريكية.
وأشار إلى أن التحشيد العسكري الحالي ليس إلا أداة ضغط لدفع طهران نحو مائدة المفاوضات وهي في حالة ضعف، وأن هذه الحشود قد تسحب فور التوصل إلى اتفاق يرضي البيت الأبيض ومن الجانب الآخر، يبدو أن النظام الإيراني قد استوعب خطورة الموقف، حيث بدأ في إظهار "حسن النية" والتواصل المستمر مع جيرانه العرب لتحسين العلاقات، وربما التضحية ببعض أذرعه في المنطقة مقابل استمراريته السياسية.
وخلص المالكي إلى أن هذه المفاوضات تمثل "الفرصة الأخيرة" للنظام الإيراني؛ فإما القبول بالشروط الأمريكية القاسية والاندماج في منظومة اقتصادية وأمنية جديدة تقودها واشنطن، أو مواجهة انهيار داخلي وعسكري قد يؤدي إلى نهاية حقبة النظام الحالية وإن رهان طهران اليوم يعتمد على قدرتها على المناورة الدبلوماسية، بينما يعتمد رهان ترامب على انتزاع "أفضل صفقة ممكنة" تنهي التهديد النووي وتفتح أبواب الاستثمار في قلب طهران، مع ضمان أمن حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل.









