بين الغارات والتهديد بالهدم.. الجنوب اللبناني يواجه كارثة إنسانية متفاقمة جراء التصعيد العسكري
تتصاعد حدة التوترات العسكرية على الجبهة اللبنانية بشكل دراماتيكي، حيث جدد جيش الاحتلال الإسرائيلي غاراته الجوية العنيفة مساء اليوم الاثنين، مستهدفاً مناطق مأهولة بالسكان في عمق الجنوب اللبناني.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية في بيان رسمي عن ارتقاء شهيد لبناني وإصابة ثمانية آخرين بجروح متفاوتة، جراء ضربات جوية مركزة طالت بلدات في قضاءي صيدا وصور.
وتأتي هذه التطورات في سياق حملة عسكرية شرسة يشنها الاحتلال منذ أشهر، مستهدفاً القرى الحدودية وما وراءها، مما تسبب في شلل كامل للحياة العامة ودمار واسع في الممتلكات الخاصة والمرافق الحيوية، وسط مخاوف دولية وإقليمية من تحول هذه المواجهات إلى حرب شاملة قد لا تنتهي عند حدود الجنوب.
مجازر متنقلة في أنصارية والقليلة وحصيلة الضحايا في تزايد
في تفاصيل الميدان، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارة جوية استهدفت بلدة أنصارية الواقعة في قضاء صيدا، مما أدى إلى سقوط إصابات مباشرة في صفوف المواطنين الذين تواجدوا في محيط الاستهداف، وفي الوقت ذاته، كانت بلدة القليلة في قضاء صور مسرحاً لغارة أخرى خلفت دماراً كبيراً في المنازل السكنية.
وأكدت مصادر طبية أن فرق الإسعاف والدفاع المدني عملت تحت تهديد القصف على نقل الجرحى إلى المستشفيات القريبة، حيث وصفت حالة بعضهم بالحرجة.
إن إصرار جيش الاحتلال على ضرب مناطق بعيدة نسبياً عن الخط الأزرق الحدودي يشير إلى نية مبيتة لتوسيع رقعة النار واستهداف العمق اللبناني، وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من التصعيد تضرب عرض الحائط بكل القواعد الاشتباكية السابقة التي كانت تحكم المنطقة.
حرب نفسية وتهديدات بالإخلاء في عين قانا وكفرتبنيت
ولم تتوقف الجرائم عند القصف المباشر، بل امتدت لتشمل حرباً نفسية يمارسها جيش الاحتلال عبر توجيه تهديدات مباشرة للسكان بضرورة إخلاء منازلهم.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن أهالي بلدتي عين قانا وكفرتبنيت في محافظة النبطية عاشوا لحظات من الرعب بعد تلقيهم بلاغات وتحذيرات إسرائيلية بضرورة إخلاء مبنيين سكنيين تمهيداً لقصفهما وتدميرهما بشكل كامل.
هذه التهديدات دفعت السكان لمناشدة الجيش اللبناني والقوى الأمنية والمنظمات الدولية بالتوجه فوراً إلى المنطقة للكشف على هذه المباني ومحاولة حماية المدنيين من غدر الطيران الحربي.
ويرى مراقبون أن سياسة "الإنذارات المبكرة" التي يتبعها الاحتلال هي محاولة لشرعنة تدمير الأحياء السكنية وتهجير ما تبقى من السكان الصامدين في قراهم، مما يضاعف من أزمة النزوح الداخلي في لبنان.
دمار البنية التحتية ومعاناة المزارعين في الجنوب الصامد
على مدار الأشهر الماضية، لم يكن الهدف العسكري هو الوحيد لجيش الاحتلال، بل طال القصف المتعمد البنية التحتية اللبنانية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، ومحطات المياه، والطرق الرئيسية التي تربط القرى ببعضها البعض.
المزارعون في الجنوب، الذين يعتمدون بشكل أساسي على محاصيل الزيتون والتبغ، وجدوا أنفسهم أمام خسائر اقتصادية فادحة نتيجة القصف الفسفوري والمدفعي الذي أحرق مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.
إن تعمد الاحتلال ضرب مقومات الحياة الاقتصادية في الجنوب يهدف إلى خلق منطقة عازلة غير مأهولة وغير قابلة للحياة، وهو ما تصفه الدولة اللبنانية بأنه انتهاك صارخ للسيادة الوطنية وللقانون الدولي الإنساني الذي يحرم استهداف الأعيان المدنية ومصادر رزق السكان في النزاعات المسلحة.
نداءات إنسانية وتحذيرات من كارثة أمنية شاملة
في ظل هذا المشهد القاتم، تتزايد النداءات الصادرة عن الجهات الرسمية والإنسانية في لبنان للتحذير من تدهور الأوضاع بشكل قد لا يمكن السيطرة عليه. وزارة الصحة والمنظمات الإغاثية تؤكد أن القطاع الصحي في الجنوب يرزح تحت ضغط هائل، مع نقص في المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات وسيارات الإسعاف.
ومن الناحية الأمنية، تحذر الحكومة اللبنانية من أن استمرار الغارات وتجاوز الاحتلال للخطوط الحمراء سيؤدي حتماً إلى ردود فعل قوية، مما يجعل المنطقة بأكملها عرضة لعدم الاستقرار.
إن الصمت الدولي تجاه ما يحدث في بلدة أنصارية والقليلة وغيرها من القرى يمنح الضوء الأخضر للاحتلال للاستمرار في سياسة الاغتيالات والقصف العشوائي، وهو ما يضع السلم والأمن الإقليمي في مهب الريح.
توقعات المرحلة القادمة
إن ما شهده جنوب لبنان اليوم من استشهاد مواطن وإصابة آخرين، بالتوازي مع تهديدات إخلاء المنازل، يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في استراتيجية التصعيد التدريجي.
الشعب اللبناني، الذي يرفض الانجرار إلى مخططات التهجير، لا يزال يتطلع إلى تدخل دولي حقيقي يلزم إسرائيل بوقف عدوانها واحترام القرار 1701.
ومع بقاء الأجواء ملبدة بطائرات الاستطلاع والحربية، يظل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث يمتزج صمود الأهالي مع ألم الفقد والدمار، في انتظار حلول سياسية أو ميدانية تضع حداً لهذا النزيف المستمر الذي ينهش جسد الوطن اللبناني يوماً بعد يوم.










