يأتي التشغيل المحدود لمعبر رفح، مع دخول أول فوج من العائدين الذي لم يتجاوز 12 راكبًا فقط، واستمرار استقبال مصر لمرضى ومصابين من قطاع غزة، في سياق إنساني شديد التعقيد، يتجاوز كونه إجراءً لوجستيًا إلى كونه مؤشرًا سياسيًا وأمنيًا بامتياز. فرغم الدلالة الرمزية لأي حركة عبور عبر المعبر، إلا أن الأرقام المتواضعة وطبيعة الفئات المسموح لها بالمرور تطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان هذا التطور يمثل انفراجًا حقيقيًا في الأزمة الإنسانية، أم مجرد إدارة محسوبة لها ضمن شروط صارمة.
من الناحية الإنسانية، لا يمكن إنكار أهمية استقبال المرضى والمصابين، خاصة في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية داخل قطاع غزة، حيث يشكّل الخروج للعلاج مسألة حياة أو موت. غير أن حصر الحركة في حالات انتقائية، وبأعداد محدودة للغاية، يجعل من هذا الفتح الجزئي أقرب إلى استجابة إسعافية مؤقتة، لا إلى مسار مستدام لتخفيف الكارثة الإنسانية. فالأزمة في غزة لا تتعلق بعشرات المرضى فقط، بل بمئات الآلاف من المدنيين المحاصرين، وباحتياجات معيشية وصحية تتطلب تدفقًا منتظمًا وواسع النطاق للأفراد والمساعدات.
سياسيًا وأمنيًا، يعكس هذا التشغيل المحدود استمرار إخضاع معبر رفح لمنطق الضبط والتحكم، لا لمنطق الإغاثة المفتوحة. فالمعبر، الذي يُفترض أن يكون شريانًا إنسانيًا للقطاع، ما زال يعمل ضمن معادلة توازنات إقليمية وضغوط دولية، تجعل من كل خطوة محسوبة بدقة، وتُبقي على جوهر الحصار دون تغيير فعلي. بهذا المعنى، يبدو فتح المعبر الجزئي أقرب إلى إدارة الأزمة وتخفيف حدّتها إعلاميًا، بدلًا من معالجتها جذريًا.
فتح جزئي لمعبر رفح
الواقع أن الانفراج الإنساني الحقيقي لا يُقاس بفتح استثنائي أو بمرور فوج رمزي من العائدين، بل بانتظام الحركة، وتوسيع الفئات المستفيدة، وضمان تدفق المساعدات دون قيود سياسية أو أمنية خانقة. وما لم يتحقق ذلك، سيظل فتح رفح الجزئي خطوة محدودة الأثر، تُبقي الأزمة قائمة، وتؤكد أن المعاناة في غزة ما زالت تُدار لا تُحل، في ظل غياب إرادة دولية جادة لكسر الحصار وإنهاء جذور الكارثة الإنسانية.








