شهدت سوريا في الأسابيع الأخيرة تزامن مسارين متوازيين يعكسان تحوّلًا تدريجيًا في خرائط النفوذ، لكن ضمن بيئة شديدة الهشاشة: مسار داخلي يتمثل في تنفيذ ما بات يُعرف بـ«الاتفاق الشامل» بين الحكومة السورية و«قسد» شرق الفرات، ومسار خارجي ضاغط يتمثل في تصعيد إسرائيلي شبه يومي جنوب البلاد، لا سيما في ريف القنيطرة.
سوريا وإعادة النفوذ الداخلي
على مستوى الشرق السوري، يُعدّ انتشار قوات الأمن الحكومية في الحسكة وعين العرب (كوباني)، مع ترقب دخولها إلى القامشلي، تطورًا لافتًا في سياق إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق و«قسد» بعد سنوات من الصدامات المحدودة والتعايش القسري. هذا الانتشار لا يمكن قراءته كعودة سيادية كاملة للدولة بقدر ما هو إعادة ضبط محسوبة للتوازنات، تقوم على دمج أمني تدريجي مقابل ضمانات سياسية وإدارية لـ«قسد»، وتحت أعين القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
الاتفاق، بصيغته الراهنة، يبدو أقرب إلى إدارة انتقالية للنفوذ منه إلى حسم نهائي للصراع على شرق الفرات. فدمشق تسعى إلى استعادة حضورها الرمزي والمؤسسي، بينما تحاول «قسد» الحفاظ على مكتسباتها العسكرية والإدارية التي راكمتها منذ عام 2014، مع إدراكها لتراجع هامش المناورة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. أما واشنطن، فتنظر إلى هذا الترتيب بوصفه أداة لتخفيف الاحتكاك، لا انسحابًا كاملاً، في وقت لا تزال فيه الورقة الكردية جزءًا من حساباتها الأوسع في مواجهة إيران وضبط النفوذ الروسي.
في المقابل، يتقاطع هذا المسار التهدوي النسبي في الشمال الشرقي مع تصعيد إسرائيلي متواصل جنوب سوريا، حيث تتكثف التوغلات في ريف القنيطرة وعمليات الاعتقال، في رسالة واضحة بأن إسرائيل غير معنية بأي استقرار شامل على الجغرافيا السورية. هذا التصعيد يعكس استراتيجية إسرائيلية ثابتة تقوم على إبقاء الجبهة الجنوبية في حالة توتر منخفض الشدة، يمنع ترسيخ أي وجود عسكري أو أمني مستقر يمكن أن يُترجم لاحقًا إلى تهديد استراتيجي.
المفارقة أن إسرائيل، عبر تحركاتها جنوبًا، تسعى عمليًا إلى تعطيل أي محاولة سورية لإعادة إنتاج سيادة متماسكة، حتى لو كانت هذه المحاولة تتم بتفاهمات داخلية وبرعاية دولية. فبينما يُعاد ضبط النفوذ شرق الفرات عبر التفاهمات، يُعاد تفكيكه جنوبًا عبر القوة، بما يعمّق حالة الازدواج الأمني والجغرافي داخل الدولة السورية.
من زاوية أوسع، يكشف هذا التزامن أن الاتفاق بين دمشق و«قسد» لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي العام. فنجاحه النسبي قد يخفف من الذرائع الأميركية للبقاء العسكري طويل الأمد شرق الفرات، لكنه في الوقت نفسه يضع دمشق أمام اختبار القدرة على إدارة أكثر من جبهة ضغط في آن واحد. كما أن أي استقرار شمالي قد يدفع إسرائيل إلى تصعيد أكبر جنوبًا، ضمن منطق «منع التعافي الاستراتيجي» لسوريا.
خلاصة المشهد أن الاتفاق الجاري قد يمهّد لإعادة ضبط النفوذ شرق الفرات، لكنه لا يفتح بالضرورة باب الاستقرار الشامل. فالتصعيد الإسرائيلي جنوبًا يعمل كعامل موازٍ لإعادة إنتاج الفوضى، ويؤكد أن سوريا لا تزال ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، حيث يُسمح بإدارة النزاع… لكن يُمنع حسمه.










