تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، افتتح وزير الإعلام سلمان بن يوسف الدوسري أعمال النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026 في فندق هيلتون بالرياض، تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، في حدث يعكس التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام في ظل الثورة الرقمية وتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكد وزير الإعلام أن الرعاية الملكية للمنتدى تمثل وسام فخر للإعلاميين، وتمنح الحدث بعداً أوسع ورؤية أعمق، حيث يُنظر إلى الإعلام بوصفه أداة للوعي ووسيلة للتنمية، في سياق رؤية تؤكد أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أحد أبرز محركات التحول المعرفي والسياسي والاقتصادي.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: إعادة تعريف الإعلام والاقتصاد المعرفي
تنطلق أعمال المنتدى بمشاركة أكثر من 300 قائد وخبير إعلامي من أكثر من 20 دولة، عبر أكثر من 150 جلسة متخصصة تناقش تقاطع الإعلام مع السياسة والاقتصاد والثقافة والتقنية والابتكار، وبحضور مراكز فكر دولية وإقليمية، إضافة إلى معرض مستقبل الإعلام «فومكس» بمشاركة أكثر من 250 شركة محلية وعالمية.
ويبرز المنتدى بوصفه منصة تكشف عن التحول البنيوي الذي يشهده الإعلام العالمي، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت محركاً رئيسياً لإعادة تشكيل صناعة الإعلام والحوكمة الرقمية والاقتصاد المعرفي.
وفي هذا السياق، أشار وزير الإعلام إلى أن العالم يعيش صراعاً بين المال والقيمة، حيث بات «اقتصاد الانتباه» هو المتحكم في كثير من النماذج الإعلامية المعاصرة، وأصبحت الخوارزميات تكافئ الإثارة وتعاقب الإثراء، بينما يُقاس النجاح بحجم الانتشار لا بعمق الأثر، ما يطرح سؤالاً أخلاقياً وجودياً حول مستقبل الإعلام عندما ينفصل عن منظومة القيم.
وأكد أن الرؤية السعودية تختلف جذرياً، إذ ترى أن القيم ليست إضافة شكلية، بل بنية عميقة تحكم السياسات الإعلامية وتوجه القرارات وتضبط العلاقة بين التقنية والإنسان، في محاولة لإعادة التوازن بين التطور التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية.

الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والحوكمة الإعلامية
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محاور التحول الإعلامي الذي تناوله المنتدى، حيث أعلن وزير الإعلام إطلاق 12 مبادرة نوعية، من أبرزها «معسكر الابتكار الإعلامي» Saudi MIB، في مجالات الصحافة المعززة وصناعة المحتوى الذكي والمذيع الافتراضي، بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا».
كما أُطلقت مبادرات أخرى مثل «تمكين» لدعم الأفكار الريادية والشركات الناشئة، و«نمو» بالشراكة مع برنامج كفالة، لتحويل الأفكار الإعلامية إلى نماذج عمل قابلة للاستدامة، في خطوة تعكس انتقال الإعلام من كونه نشاطاً ثقافياً إلى قطاع اقتصادي معرفي قائم على الابتكار والتكنولوجيا.
وفي خطوة تعكس محاولة ضبط العلاقة بين التقنية والقيم، أعلن الوزير إصدار وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام بالشراكة مع «سدايا»، لترسيخ مبدأ الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة وفتح الباب أمام مراحل متقدمة من التفعيل والدعم والتمكين.
وتشير هذه المبادرات إلى أن السعودية تسعى إلى بناء نموذج إعلامي جديد يقوم على حوكمة التكنولوجيا، بحيث لا تتحول الخوارزميات إلى أدوات للهيمنة على الوعي العام، بل إلى أدوات لتعزيز المعرفة وصناعة المحتوى المسؤول.
الإعلام كأداة حوكمة وبناء إنساني
ركز وزير الإعلام على أن التحول الإعلامي يبدأ من الإنسان، مشيراً إلى أن حماية الأجيال القادمة في العصر الرقمي لا تتحقق بالمنع أو العزل، بل بتهيئة بيئات إعلامية واعية، تسود فيها الأخلاق والقيم، ويُقدم فيها المحتوى بوصفه أداة لبناء الإدراك لا سلعة للاستهلاك.
وأوضح أن ما تحقق في منظومة الإعلام السعودية خلال السنوات الماضية لم يكن توسعاً في الأدوات أو استجابة ظرفية للتحولات، بل تأسيساً لقراءة جديدة للإعلام، حيث نقلت رؤية المملكة 2030 الإعلام من جهود متفرقة إلى بنية متكاملة، ومن تنظيم تقليدي إلى حوكمة مرنة تحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح ورفع الوعي.
وفي هذا السياق، أطلقت المنظومة الإعلامية برنامج «ابتعاث الإعلام» بالشراكة مع وزارة التعليم، بإتاحة نحو 100 مقعد لتأهيل المواهب السعودية في أفضل الجامعات والمؤسسات التعليمية والإعلامية في العالم، في خطوة تعكس إدراكاً بأن الاقتصاد المعرفي لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على الاستثمار في الإنسان.
المعرفة الرقمية والهوية الثقافية في عصر الذكاء الاصطناعي
ضمن مسار بناء المحتوى المعرفي، أعلن الوزير إطلاق مسار الترجمة لموسوعة «سعوديبيديا» إلى خمس لغات عالمية هي الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والألمانية، حيث تجاوز محتواها أكثر من 70 ألف مقالة، لتكون مرجعاً معرفياً رقمياً يوثق تاريخ المملكة وثقافتها ومنجزاتها ومستقبلها بمصداقية وموثوقية.
كما أُعلن إطلاق أكثر من 30 عملاً وثائقياً وسينمائياً ضمن مبادرة «كنوز»، لتجسيد موروث المملكة ومستقبلها بأفضل المواصفات العالمية، وبمشاركة المواهب الوطنية والتعاون مع مخرجين سعوديين وعالميين، في محتوى يقدم الهوية السعودية للعالم برؤية مهنية معاصرة وأصيلة.
وتكشف هذه المشاريع عن تحول الإعلام إلى منصة لإنتاج المعرفة الرقمية، حيث تتقاطع الهوية الثقافية مع التكنولوجيا الحديثة، في محاولة لبناء سردية وطنية قادرة على المنافسة في الفضاء الرقمي العالمي.

الإعلام والاقتصاد: البيانات محرك الاستثمار
أشار وزير الإعلام إلى أن الإعلام أصبح محركاً أساسياً للاقتصاد، معبراً عن أهمية تقرير حالة الإعلام في المملكة وفرص الاستثمار الذي أطلقته الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، بوصفه مرجعاً تحليلياً يعكس حراك القطاع بالأرقام والبيانات، ويقدم قراءة معمقة لفرصه الاستثمارية، مؤكداً أن الاستثمار تحركه البيانات لا التوقعات.
كما أعلن إطلاق مركز الدراسات الإعلامية واستطلاعات الرأي في وكالة الأنباء السعودية «واس»، ليكون مرجعاً موثوقاً لجمع وتحليل البيانات، بما يدعم تطوير السياسات الإعلامية على أسس علمية دقيقة.
وتشير هذه الخطوات إلى أن الإعلام لم يعد قطاعاً ثقافياً فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة الاقتصاد المعرفي، حيث تلعب البيانات والذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في صياغة السياسات واتخاذ القرار.
صناع التأثير والمنصات الرقمية: إعادة تشكيل المجال العام
في إطار تعزيز القوة الناعمة، أعلن الوزير استضافة أكثر من 2000 صانع محتوى ومؤثر من أكثر من 90 دولة، ضمن النسخة الثانية من ملتقى صناع التأثير «إمباك» في مدينة القدية، حيث ستدار الجلسات بروح إبداعية وتجارب تتجاوز المألوف.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن المجال العام لم يعد يُصاغ عبر المؤسسات التقليدية وحدها، بل عبر المنصات الرقمية وصناع المحتوى، ما يجعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية عناصر أساسية في تشكيل الرأي العام والحوكمة الإعلامية.
المنتدى بوصفه منصة للقوة الناعمة
من جهته، أكد رئيس المنتدى السعودي للإعلام محمد بن فهد الحارثي أن المنتدى يعكس المكانة المتقدمة التي يحتلها الإعلام السعودي، وأن كلمة وزير الإعلام حملت رؤية واضحة لمستقبل القطاع، مدعومة بمبادرات نوعية وأرقام غير مسبوقة.
وأشار إلى أن إطلاق 12 مبادرة استراتيجية، وتنظيم أكثر من 150 جلسة بمشاركة أكثر من 300 قائد وخبير من أكثر من 20 دولة، ومعرض «فومكس» بمشاركة أكثر من 250 شركة، ومشروعات مثل سعوديبيديا وبرامج الابتعاث الإعلامي ووثيقة الذكاء الاصطناعي، تعكس منظومة إعلامية تقوم على الابتكار والاحترافية والأثر المستدام.
وأكد أن المنتدى يمثل إحدى أدوات القوة الناعمة للسعودية، سواء في إيصال رسالتها للعالم أو في تعزيز علاقاتها الدولية، مشيراً إلى أن الحضور الكثيف والتفاعل الواسع يؤكدان أن المنتدى أصبح منصة عالمية لصناعة المستقبل الإعلامي.
التكنولوجيا والحوكمة: نحو نموذج إعلامي جديد
شهد اليوم الأول للمنتدى جلسات حوارية متنوعة عبر أربعة مسارح رئيسة: مسرح العلا، مسرح الاستثمار، مسرح القادة، ومسرح الإلهام، إضافة إلى انطلاق معرض مستقبل الإعلام «فومكس»، الذي يضم أجنحة المؤسسات الحكومية والشركات المحلية والدولية، ومنصة لعرض الابتكارات الإعلامية وإبرام الشراكات الاستراتيجية.
ويقدم مسرح «فومكس» رؤى شاملة حول قطاع الإعلام من خلال جلسات النقاش وورش العمل، بحضور متحدثين محليين ودوليين، مع إتاحة توقيع اتفاقيات التعاون والشراكات.
وتشير هذه الفعاليات إلى أن الإعلام في السعودية يتحول إلى منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والحوكمة والاقتصاد المعرفي، حيث لم يعد الإعلام مجرد صناعة محتوى، بل منصة استراتيجية لإدارة المعرفة وصياغة السياسات وتعزيز النفوذ الثقافي والاقتصادي.
دلالات التحول: الإعلام بين الذكاء الاصطناعي والهوية الإنسانية
تكشف مخرجات المنتدى السعودي للإعلام 2026 عن مسار جديد للإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع القيم، والابتكار مع الهوية، والاقتصاد مع المعرفة.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام ساحة مركزية لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين الدولة والمجتمع، وبين المعرفة والسلطة، ما يجعل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل عاملاً حاسماً في صياغة مستقبل الإعلام والحوكمة والاقتصاد المعرفي.










