21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مصطفى إبراهيم لـ"180 تحقيقات": غزة تُدار بلا سيادة… ووقف النار غطاء لإعادة هندسة الاحتلال

في مقاربة تحليلية للمشهد الفلسطيني الراهن، يرى مصطفى إبراهيم، المحلل السياسي الفلسطيني، أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة، لا يمكن فهمه خارج إطار اتفاق وقف إطلاق النار الأخير

بقلم: سماح عثمان
٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال

قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال

في مقاربة تحليلية للمشهد الفلسطيني الراهن، يرى مصطفى إبراهيم، المحلل السياسي الفلسطيني، أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة، لا يمكن فهمه خارج إطار اتفاق وقف إطلاق النار الأخير وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، اللذين رسّخا معالم مرحلة شديدة الخطورة سياسيًا، تتجاوز البعد الإنساني إلى إعادة هندسة الواقع الفلسطيني برمّته.

تفريغ قطاع غزة 

ويؤكد إبراهيم لـ"180 تحقيقات"، أن أخطر ما أفرزته هذه المرحلة هو تفريغ قطاع غزة من أي مضمون سيادي فلسطيني، إذ جرى عمليًا نزع حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم السياسية، في ظل تغييب كامل لأي مرجعية وطنية شرعية، سواء منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو تغييب لم يكن عارضًا، بل جاء متسقًا مع نصوص القرار الدولي ذاته. ويضيف أن الحديث عن مسار سياسي أو أفق لحل الدولتين ورد بصورة شكلية، دون ترجمة عملية أو التزام دولي جاد، ما يعكس توجهًا دوليًا لإدارة الصراع بدل السعي إلى حله.

 

ويشير إبراهيم إلى أن القبول الفلسطيني باتفاق وقف إطلاق النار لم يكن نتاج قناعة سياسية، بل جاء تحت وطأة المجازر والدمار الهائل، كخيار اضطراري لوقف شلال الدم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مواجهة مخططات التهجير والطرد القسري. ويشدد على أن هذه المعادلة الهشة سرعان ما انعكست على الضفة الغربية، التي تشهد تصعيدًا ممنهجًا في سياسات القتل والاعتقال والاقتحام، ضمن استراتيجية إسرائيلية واضحة لدفع الفلسطينيين نحو الرحيل، حتى وإن جرى تسويق ذلك تحت مسميات مضللة كـ"التهجير الطوعي"، الذي لا يعدو كونه تهجيرًا قسريًا مغلفًا بالضغط والعنف.

وفي ما يتعلق بـمعبر رفح، يعتبر إبراهيم أن ما جرى ويجري هناك يمثل نموذجًا فاضحًا للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، رغم الطابع الإنساني المفترض للمعبر. فالتأخير المتعمد في تشغيله، واستمرار العراقيل الإسرائيلية، ترافق مع تصعيد ميداني أدى إلى سقوط مئات الشهداء، في وقت وسّعت فيه إسرائيل نطاق سيطرتها العسكرية ليشمل أكثر من 53% من مساحة قطاع غزة، بما في ذلك المناطق المحيطة بالمعبر. ويرى أن ما يتعرض له الفلسطينيون من إذلال وإهانات ومعاملة لا إنسانية على المعبر يرقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان، ويأتي ضمن سياسة مقصودة لكسر الإرادة الجماعية الفلسطينية وإرسال رسائل ردع قاسية للفلسطينيين في الداخل والخارج.

الأهداف الإسرائيلية بقطاع غزة

ويحذر المحلل السياسي الفلسطيني من أن الرؤية التي يروج لها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تقوم على إعادة تفسير اتفاق وقف إطلاق النار بما يخدم الأهداف الإسرائيلية المعلنة منذ بداية الحرب، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، وتكريس نموذج أمني شبيه بتجربة جنوب لبنان، حيث يستمر القتل والاغتيال حتى في ظل ما يسمى وقفًا لإطلاق النار. ويضيف أن إسرائيل لا تستهدف فقط البنية العسكرية للمقاومة، بل تسعى إلى تفكيك أي حضور سياسي أو مدني أو مجتمعي يمكن أن يشكل أساسًا لسيادة فلسطينية مستقبلية، بما في ذلك المناهج التعليمية والمؤسسات المدنية.

وفي هذا السياق، يعرب المحلل الفلسطيني عن قلقه من الطروحات المتعلقة بنشر قوى متعددة الجنسيات أو إنشاء هياكل إدارية انتقالية لإدارة غزة، مثل ما يسمى بـ"هيئة الاستقرار" أو "مجلس السلام"، معتبرًا أن هذه الصيغ تفتقر إلى الوضوح وتثير مخاوف جدية من تحويل غزة إلى كيان خاضع لوصاية أمنية دولية، يكون جوهر مهمتها إنفاذ الأمن ونزع السلاح لا تمكين الفلسطينيين أو حماية حقوقهم. ويشير إلى أن تردد عدد من الدول الأوروبية والعربية في الانخراط بهذه الترتيبات يعكس إدراكًا لمخاطر الانزلاق إلى دور يخدم الاحتلال أكثر مما يخدم الشعب الفلسطيني.

ويخلص مصطفى إبراهيم إلى أن ما يجري في قطاع غزة اليوم يتجاوز كونه أزمة إنسانية، ليشكّل مشروعًا سياسيًا خطيرًا يستهدف نزع الأرض والسيادة والملكية والقرار من الشعب الفلسطيني، وتحويل حياته إلى حالة دائمة من الابتزاز الإنساني والأمني. ويؤكد أن المرحلة المقبلة تنذر بمزيد من التعقيد والتصعيد، في ظل غياب أي ضمانات دولية حقيقية، واستمرار الانحياز الأمريكي، والسعي لتكريس واقع جديد يجعل من غزة منطقة منزوعـة السياسة، خاضعة لسيطرة أمنية أشد قسوة وعنفًا مما كان عليه الحال قبل الحرب.

 

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال