في خطوة وصفت بأنها محاولة جادة لكسر الجمود السياسي الذي خيم على المشهد العراقي طوال الأشهر الماضية، أعلن الإطار التنسيقي، القوة الأكبر داخل البرلمان، عن منح نوابه وكتله المنضوية تحت لوائه كامل الحرية في اختيار مرشح رئاسة الجمهورية.
جاء هذا القرار في وقت حساس للغاية، حيث يعاني العراق من انسداد سياسي ناتج عن تعثر التوافق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين “الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني” على مرشح واحد للمنصب، مما دفع الإطار إلى تبني استراتيجية "تعدد الخيارات" بدلاً من "الكتلة الصماء" لتسريع وتيرة تشكيل الحكومة والوفاء بالاستحقاقات الدستورية التي لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة.
الانسداد السياسي وتآكل التوافقات الكردية
منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات وما تبعها من مخاضات عسيرة، ظل منصب رئيس الجمهورية يمثل العقدة الكبرى في المنشار السياسي العراقي، حيث يصر كل طرف كردي على استحقاقه التاريخي والسياسي في قصر السلام.
ورغم الوساطات المتعددة التي قادتها أطراف داخلية وإقليمية لتقريب وجهات النظر بين أربيل والسليمانية، إلا أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، مما جعل البرلمان عاجزاً عن عقد جلسة مكتملة النصاب والنتائج.
هذا التعثر لم يؤثر فقط على المكون الكردي، بل ألقى بظلاله على البيت الشيعي ممثلاً بالإطار التنسيقي، الذي وجد نفسه أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية للمضي قدماً، خشية الدخول في نفق الفراغ الدستوري الذي قد يؤدي إلى اضطرابات في الشارع أو شلل في مؤسسات الدولة التنفيذية.
دلالات قرار الإطار التنسيقي بترك "حرية التصويت"
يعكس قرار الإطار التنسيقي بترك خيار اختيار الرئيس لقناعات النواب الفردية والكتلوية تحولاً تكتيكياً بارزاً؛ فهو من جهة يرفع الحرج عن قيادات الإطار في الميل لجهة كردية على حساب أخرى، ومن جهة ثانية يرمي الكرة في ملعب البرلمان ككل ليتحمل مسؤولية الاختيار بعيداً عن صفقات "الغرف المغلقة".
المراقبون يرون أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام صعود مرشح "تسوية" أو تمكن أحد المرشحين الحاليين من حصد الأصوات اللازمة عبر إقناع الكتل الصغيرة والنواب المستقلين داخل الإطار، مما يعني أن معيار الكفاءة والبرنامج السياسي قد يتقدم لأول مرة على معيار المحاصصة الحزبية الضيقة التي حكمت المشهد منذ عام 2003.
السيناريوهات المتوقعة لجلسة التصويت القادمة
مع منح النواب هذه الحرية، تبرز ثلاثة سيناريوهات أساسية للمرحلة المقبلة؛ الأول يتمثل في قدرة أحد المرشحين الكرد على إجراء جولات مكوكية داخل أروقة الإطار التنسيقي لكسب ود النواب بشكل منفرد، مما قد يمنحه أغلبية مريحة، أما السيناريو الثاني، فهو استمرار التشتت داخل البرلمان مما قد يؤدي إلى جولة ثانية من التصويت تكون هي الحسم، حيث سيتعين على نواب الإطار في هذه الحالة اختيار "الأهون شراً" أو الأكثر قرباً من برنامجهم الحكومي، السيناريو الثالث والأخطر هو بقاء حالة التشرذم، لكن قرار الإطار الأخير يقلل من احتمالية هذا السيناريو لأنه يضمن حضوراً نيابياً مكثفاً للجلسة، حيث لم يعد النائب ملزماً بقرار حزبي يدفعه للمقاطعة، بل أصبح فاعلاً في عملية الاختيار.
التأثير على تشكيل الحكومة والمرحلة المقبلة
إن حسم ملف رئاسة الجمهورية هو المفتاح الإلزامي لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة وبموجب الدستور العراقي، فإن رئيس الجمهورية المنتخب هو من يلقي بعبء التكليف على عاتق رئيس الوزراء، لذا، فإن خطوة الإطار التنسيقي تعتبر "محركاً للتروس" المعطلة؛ فبمجرد انتخاب الرئيس، ستنطلق المشاورات النهائية لتشكيل الكابينة الوزارية.
ويرى مراقبون أن الإطار التنسيقي، بقراره هذا، يريد إيصال رسالة طمأنة للشارع العراقي وللمجتمع الدولي بأنه لا يعيق العملية الديمقراطية، بل يحاول تذليل العقبات من خلال المرونة السياسية التي تفتقر إليها بعض القوى الأخرى التي ما زالت تتمسك بمواقف متصلبة.
غزة السياسة العراقية أمام اختبار النضج
في نهاية المطاف، يبقى العراق على أعتاب مرحلة مفصلية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية إن منح نواب الإطار التنسيقي حرية اختيار رئيس الجمهورية هو اختبار حقيقي لمدى نضج التجربة البرلمانية، وقدرة النواب على اتخاذ قرارات وطنية بعيداً عن التوجيهات المركزية الصارمة، وإذا ما نجحت هذه التجربة في إنتاج رئيس يحظى بقبول وطني وشرعية برلمانية قوية، فإنها ستكون سابقة قد تغير قواعد اللعبة في اختيار الرئاسات الثلاث مستقبلاً، حيث ينتقل الثقل من قادة الكتل إلى ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان، وهو ما يطمح إليه الجمهور العراقي التواق للاستقرار والخدمات والتنمية الشاملة.








